لم يشكُ الجوع، لكن العطش أهلكه، مضت فترة من الزمن وهو يرى الماء مما يراه الرائي في الحلم، وما يناله مقطر تقطيرا…اشتد الوضع وساءت الحال، وأصبحت قطرة الماء كما حلم في حُلم.
خرج يمتع ناظريه بنافورة وسط المدينة، يستفزه ذلك الماء الصافي المتدفق بجعله يحلق دونما حاجة للطيران…تمنى أن يبني بيتا هناك ولباقي العمر فيه يقيم، فذلك أجمل بكثير من وضعه الذي لم يجد بم يغسل ثيابه ولا حتى بم يغسل صحنا يأكل فيه.
أمضى وقتا لابأس فيه وهو على تلك الحال يتأمل ويتمنى عاد إلى البيت الذي تشققت جدارنه من قحط ريقه…غط في نوم عميق رأى شاحنة كبيرة لنقل الماء الصالح للشرب تسير ذاهبة بسرعة، ركض خلفها يحمل دلوا مناديا على صاحبها بالتوقف وهو يردد كلمة ماء…ماء…وما أن دنى منها حتى تحولت إلى سحابة كبيرة وضخمة محملة بالبرد والأعاصير، التفتت إليه وهي تنفث الغضب، أعطى الريح لأرجله فارا منها وركضت خلفه، ركض وركض وما حمد الله أن أصبح بعيدا عنها حتى تبين له نهر أمامه، فرح وأيما فرح وسرعان ما تبدلت ملامح وجهه إلى شكل آخر لا يُعرف من أي عالم هو، فقد تحول النهر فجأة إلى حقل سلطعون جائع، وهب الجميع نحوه، فلم يسعه سوى الرجوع حيث أتى، وما إن أعطى الريح لسيقانه من جديد حتى رأى السحابة وهي تقترب شيئا فشيئا…نهض مخطوفا من نومه يردد: أمسكوا عني الماء…أمسكوا عني الماء!.

أضف تعليقاً