شارع راق وسط المدينة، وعلى احدى جوانبه تنتصب مقهى ثتير انتباه كل من مر بقربها،لجمالها من جهة .. ولنوعية زبائنها من جهة اخرى…
شابات في مقتبل العمر ، بلباس عصري اوربي يكشف مفاتن الجسد ويظهر اكثر مما يخفي ،قد ترى ايضا فتاة تدخن سجارة بكل حرية غير معيرة اي اهتمام لعيون المارة التي تتلصص المكان ،
في احدى زوايا المقهى تجلس سعاد، على الطاولة علبة سجائر -مارلبور- خفيفة،وكأس عصير ،وسجارة تحترق بين اصابعها ، تدخنها ،في استمتاع،وتلذذ..
تعودت ان تأتي لهذه المقهى مند شهور ، ترمي بشباكها ،وتنتظر حظ يومها ،
ان كان يوما جيدا ،ستصطاد سمكا خليجيا فهي تفضل المشارقة، يدفعون اكثر ،ومشاكلهم اقل ،ياخدون ما يريدون ثم يختفون عن الانظار ،عكس الزبناء المحليين ،يفاصلونها في الثمن اكثر ،ومشاكلهم لا حصر لها …
الحقد والكراهية يعتصران قلبها..والاحساس بالخديعة لازال المه في حلقها الى الان ، حاولت ثم حاولت ان تنسى ما مضى لكن الماضي لا ينسى ..فقط الانسان يتعود على الالم ،ويحاول ان يخدع نفسه ويتظاهر بالنسيان ….
تنفت دخان السجارة بعيدا عن وجهها وتتبعه باعينها حتى يذوب في الهواء ،تنظر اليه وكانها تعيد رسم شريط حياتها من جديد….
يدخل شاب ممسكا بيد فتاة ،ويجلسا بالقرب منها .. يجلسا بطاولة لاتفصلها عنها سوى طاولة اخرى ،ولكنهما في مجال رؤيتها تماما ،الفتاة تبدو في السابعة او الثامنة عشر ،وحقيبة المدرسة تؤكد انها طالبة تانوي جميلة انيقة ومرتبة بعناية …الشاب يكبرها قليلا ،ليس وسيما ولكنه ايضا ليس قبيحا،
الفتاة تبدو مرتبكة ومن خلال حركتها يظهر انها غير معتادة على مكان كهذا ، تحاول جاهدا ان لايراها احد ، ظهرها صوب باب المقهى بينما وجهها يقابل الحائط ووجه الشاب
فهمت سعاد ان الشابان تجمعهما علاقة ما ، وتذكرت بسرعة ،الماضي ،ذكرت حبيبها السابق ،وكيف كانا يذهبان الى المقاهي خفية ،كيف كانت تغادر الفصل الدراسي ،وتذهب لمقابلة من تحب…
ركزت بسمعها جيدا على الحوار الذي يدور بين الشابين…فضولها يدعوها لمعرفة ما يدور…
ودونما ان تتير اي انتباه ،ارخت بسمعها لحديتهما بينما عيونها تجوب ارجاء المكان ….
الشاب يحاول ان يقنع الفتاة بشيء ما…يمسك بيدها ..وعيونه مركزة على وجهها الطفولي .. كلامه خافت ،وصوته يشبه فحيح تعبان يقترب من فريسته،في انسياب ،ووداعة،ولين.. بأنياب بارزة،وسم زعاف .. ولكن الحب اعمى ..يلغي السمع والبصر..ولا يمجد الا لغة القلب ، ولا يسمع صوتا غير صوت المشاعر والحنين….
زادت دقات قلب سعاد ، وهي تسمع كلماته التي يبدو انها حركت شيء ما بداخلها ،او لربما نبشت جرحا قديما ،لكنه يرفض ان يطيب ،يرفض نزيفه ان يتوقف…
تشعل سيجارة تانية وتركز بسمعها اكثر :
**** حبيبتي …اعدك.. لا تخافي …لن يقع اي شيء لا تريدنه…كل ما في الامر انني اريد ان نجلس وحدنا سويا… بعيدا عن الناس..انا احبك وانت تعلمين هذا..
-نفس الكلام الذي قيل لسعاد منذ خمس سنين .. نفس الكلام الذي صدقته ،نفس الكلام الذي اوصلها الى هذا الطريق ….. المظلم….
انه يحاول ان يستدرج الفتاة المسكينة الى احد المنازل….عرضه واضح …مفهوم ..لا غبار عليه
زاد غضبها ،وزادت دقات قلبها ، ولكنها تمالكت نفسها ….
يتابع الشاب كلامه..بابتسامة ماكرة ..
صراحة.. انا لا اريد ان اخونك..لايعقل ان تكون حبيبتي في منتهى الجمال..واذهب برفقة اخرى..ولا تنسي انك ستكونين زوجتي..نحن نحب بعضنا ولا قوة يمكن ان تقف امام هذا الحب الكبير….
–اه انه ذئب حقيقي ،يحاول ان يعزف على وثر الغيرة ،يحاول ان يشعل نيران الغيرة في قلب الفتاة المسكينة…
لاحظت سعاد ان الفتاة بدات تضعف ،رأت ذلك في عينها ،وفي حركة ارجلها التي ترتطم ببعضها،انها امراة وتعرف جيدا هذه الامور….
الفتاة مغيبة تماما ،يبدو انه اوقعها في حباله ،ولم يعرض عرضه هذا ،إلا وهو متاكد انها اصبحت كالريشة بين يديه.. الفاكهة اصبحت جاهزة ،وحان موسم قطفها.. والصعوبة في المرة الاولى فقط .. بعدها تصبح الامور عادية ،مسلية،وروتينية
الشاب يذرك كل هذا جيدا،والفتاة في عالم اخر .. يغيب فيه العقل .. والبصر وحتى البصيرة …فالانسان يتعود على الاشياء مهما تكن غريبة عنه في البداية ،لكنه ان فعلها ان مارسها …تعود عليها ،واوجد المبررات والاعذار لتفسيرها …
تمنت سعاد ان تصفعه على وجهه ،وان تسكب كوب الماء المنزل امامها على الفتاة ،لعلها تمنعها،لعلها تستفيق من غيبوبتها ….كانت ترى في الفتاة نفسها ،كانت ترفض ان عاد بها الزمان الى الوراء ان تعيد نفس الخطأ. …
تفاصيل قصتها تعاد من جديد ،امام عينيها،بادق تفاصيلها.الفارق، المكان والزمان فقط…..ولكنها في نفس الوقت لا تستطيع ان تفعل شيء ،لا تستطيع ان تغير شيء، تسمع وتتحصر لا غير ….
ينجح الشاب في اقناع الفتاة، ويغادرا المكان ، تتبعتهم اعين سعاد ،ليمتطيا دراجة نارية ويختفيا وسط شوارع المدينة…
تدلف بخطى متهالكة لمكانها.. وقد ارتفعت حرارتها ..احست بدوار والم براسها ..دقات قلبها تكاد تتوقف ، لتشعل سيجارة جديدة من اخرى منتهية ..وتنزوي كقطعة ثلج تذوب وحيدة….
تنتظر زبونا جديدا او قديما يدفع ثمن الحساب…ويذيب ما تبقى من قطعة الثلج…..
- قطعة ثلج
- التعليقات