قطعة قماش هبت عليها رياح قوية فأسقطتها في الوحل… ثارت ثائرة العامة قالوا ” لقد أسقطتها زوجة مدير مكتب البريد… تلك الملعونة السافرة التي تطالع الروايات و تكتب دائما بحجة أنها مثقفة.. تتعالى على نساء القرية و لا تدردش معهن… تدرس ابنتها الموسيقى و توفر لها القصص…
الأولى بها أن تهتم بشؤون منزلها كجميع النساء.. سوف نشتكيها لزوجها.. ”
قاموا بتحريض الزوج… دخل منزله مرعدا مزمجرا ” حرام! مافعلته حرام.. ”
قرر منع دخول الكتب إلى بيته.. أوقف دروس الموسيقى التي تتلقاها ابنته و كل نشاط فكري لزوجته رغم إنكارها التهمة الموجهة إليها…
اطمأن العامة لوأد نزعة التحرر التي لديها..
تساءلوا عن الدنيء الذي أسقط قطعة القماش… اتحدوا مجددا من أجل قطعة القماش و راحوا يبحثون عن مرتكب هذه الفعلة الشنيعة …
اقترح أحدهم الإستعانة بمختار القرية… شيخ مسن ملم بجميع أخبار الناس و لن يعجز عن فك لغز المسألة…
اتقدت عيون الشيخ غضبا عند سماع تشكيات العامة وقال : ” لقد حذرتكم مرارا من قبول إنشاء مصنع في القرية… سمعت أن فتيات المصنع يشترين مجلات الموضة و يبتعن الملابس العصرية… أكيد أن إحداهن قامت برمي قطعة القماش في الوحل… اللعينات يردن أن يتخلصن من عاداتنا و تقاليدنا..
إن الأنثى بذرة إبليس فحذاري من الأنثى! حذاري من إبليس!..
هجم العامة على المصنع و أحرقوه.. غادر صاحب المصنع القرية و تفشت البطالة في صفوف النساء…
هام أهل القرية على وجوههم يستطلعون أحوال جميع العائلات علهم يظفرون بخيط يصلهم بصاحب الفعلة الخبيثة…
كلما عثروا على أنثى تطمح لتغيير وضعها و تحقيق أحلامها إلا و قاموا بوأد آمالها و تحريض أهلها ضدها…
تطلعوا في أعين الأطفال.. الأطفال لا يكذبون… مؤكد أن أحدهم شاهد المذنبة التي رمت بقطعة القماش في الوحل… ولكن كيف السبيل إلى استنطاقهم..
فكروا بمدرس الموسيقى …شاب يافع قدم حديثا للتدريس بمدرسة القرية… التلاميذ لن يخشوا شيئا إذا ما تحدثوا أمامه فهو لا يعرف أهل القرية …
زاد خوف العامة عند مشاهدتهم للمدرس في الفصل.. تناسق جميل بين العزف و إمساك الآلات الموسيقية… أعين التلاميذ مشدودة إلى مدرسهم تبوح بعشق للموسيقى و للحياة…
رأى العامة في ذلك خطرا داهما يهدد الموت الذي ركنت إليه أنفسهم.. خطرا ينذر بجموح قادم… لن يتمكنوا من السيطرة على عقول نسائهم و حجبهم وراء ستارة العادات و التقاليد …لن يجدي التنجيم و قراءة الطالع و الكذب نفعا… يبدو أن غليانا داخل النساء يحدث و في رمي قطعة القماش تلك خير دليل على محاولة تغيير قريبة…
اقترب المدرس من الحشد الواقف أمام الفصل متسائلا :
-” هل أستطيع مساعدتكم بشئ ؟”
-” نعم ، نريد أن نعرف من أسقط قطعة القماش في الوحل. … ألم يتحدث تلاميذك عن مثل هذا الأمر أمامك ؟”
-” لا أخوض أحاديثا خارج إطار الدرس مع التلاميذ.. فيما تتمثل قطعة القماش هذه ؟”
-” إنها عمامة منجم القرية….”
أدار الشاب ظهره إلى العامة و عاد من جديد إلى العزف…غنى الأطفال للحياة للحب للإنسان…
و لكنهم لم يغنوا أبدا لقطعة القماش