كانت الأرض رطبة، القطرة الأخيرة من مطر ليلة ماضية لم تكف السماء فيها عن الانسكاب، كأنها دموع متدفقة تنتظر الإذن من قلب امتلأ وجعا، ولم يستطع كبح مشاعره، أو حتى مجرد غيمة تشعر من حولها أنها ندوب روح، أخذ نديم المجرفة متجها نحو الباب الشمالي، في محاولة لجرف الطين والحصى الذي ترسب كامرأة مذعورة بين شقوق الباب وعلى عتبته، هروبا من شيء يقتفي أثرها، انقضى نصف الصباح في محاولة يائسة لإبعاد الوحل، لكن دون جدوى، ألقى المجرفة وهو يتمتم بكلمات مكظومة: أين اختفت هذه المجنونة، الجو غير مساعد للخروج حتى بضعة أمتار ، الوحل يملأ الأماكن ، حتى طيور الجبال لم تنزل اليوم بحثا عن الأرانب المذعورة، تخلت عن ولائم جاهزة خوفا من هذه العاصفة التي كبتت جماحها للحظات وكأنها تعد العدة لانقضاض غير معلن….. تأفف كثيرا، حلق ببصره نحو السماء، تنهد، وضع يده المشققة من أثر البرد على وجهه، فقد أصبحت سوداء قاتمة أمام وجهه المحمر والذي يشع بالبياض، كان صوت الباب في الداخل يفتح ويغلق في وقت واحد، قال في نفسه: يا ترى هل جاءت ؟ لمح خيالا يظهر على ستائر الحجرة الخلفية، نهض بسرعة بعدما كاد أن ينزلق في الوحل، مكرر النداء باسمها (… هالة ؟ … هالة؟؟ هل جئتِ أخبريني أين كنتِ في هذا الوقت غير المناسب …؟ ) شعر أنه يحدث نفسه، ثمة لا إجابة كعادتها عندما تقهقه كثيرا ثم تنسيه السؤال والإجابة، بينما تخوض في حديث آخر .. عن آخر المعاملات البنكية ، أو عن صديقة فوجئت بخيانتها، ثم تسرد قصص الخيانات المتتالية وهي تعمق النظر في عينيه وكأنها تشك في حدث ما !!
أراد أن يشرح لها قصة مستهلكة حدثت منذ عشرات السنين، وبعد أن دخلت حياته لم يعد يأبه لأي شيء، كان يفكر في ابنته الجميلة، المقعدة قائلا لها: إن المربية اليوم شعرت بقلق الطفلة..
لكنها لم تلق بالا لكلماته، واكتفت برشف قهوتها المفضلة، رأى في عينيها شررا يقدح، كاد أن يشعل في أركان المكان، لولا أنه تظاهر بالانشغال خارج الدائرة…
هاهي الآن تذهب وتصر على أن تخلق موضوعا لا وجود له، المهم في ذلك أن تكون قصة تقود محاورها وهي من تضع الأحداث ..
كرر النداء … هالة هل أنت غاضبة مني ؟؟
تذكر عتابها وكلماتها اللاسعة ( أنت وحدك المسؤول عن موت طفلتنا)
(لم أعد أطيق هذا المكان، إنني أرى صورة المرأة في كل الزوايا …)
تنهد مرات عديدة تقدم خطوات نحو الغرفة، وضع يده على المقبض، استعار كلمات من ذاكرته الخلفية، شعر بقلبه ينبض ليس كعادته هذه المرة … شرع الباب … ارتبك .. تدفقت الدماء دفعة واحدة نحو عينيه، شخص بصره ، انهمرت الأمطار، صوت العاصفة يزمجر من بعيد .. يقترب شيئا فشيئا … المرأة ذاتها … المرأة التي شقت قلبها … ما الذي جاء بها إلى هنا .. رآها أمام المرآة تعيد تصفيف شعرها، وهي تهدهد بكلماتٍ لطفلة قد رحلت منذ سنين.
- قلب آخر
- التعليقات