أحاط نفسه بأكبر قدر تيسر له مِن صخب. إجتهد أن يشغل ذهنه، و يملأ وقته بأى أنشطة. أجرى محادثات هاتفية مصطنعة الغايات متسولاً بها وجود الاخرين بجانبه. فعل كل ما بوسعه ليكف عقله عن التفكير، و يتوقف قلبه عن نزف الشجن. و فى ذروة كل هذا، خانته عيناه، و إنفجرت روحه إنفجاراً مدوياً؛ بدا أثره يظهر على الفور شلالاً من الدموع لم يدرك كيف و من أين انهمر؟!
لم يكبح جماح انهياره هذه المره. ترك القهر يعبر عن نفسه بحرية تامة. لم يكن لديه أى قدر من المقاومة بعد سنوات من الضبط الناجح للنفس. لقد دمره فرط القلق، و دوام الخوف، و غلبة الحزن، و قلة الحيلة. لقد قضى عليه طول الأمل بلا وصول. صارت همومه قهراً؛ و ليس أصعب و لا أقسى من قهر الرجال.
حمد ربه أن أحداً من المحيطين به لم يشهد ذاك الإنهيار. لم يكن مهيئاً بالمرة لشرح الأسباب. و لم يكن لأحد أن يفهم دوافعه إن شرح. سحب سجادة الصلاة بصعوبة و وقف يرتعش بين يدى خالقه. كان ينوى أن يتحدث إلى الله كثيراً. كان لديه أطنان من الشكوى و الدعاء. لكن الإنهيار باغتة بنوبة أخرى أكثر شراسة أثناء السجود. إنعقد لسانة، و اختنق الدعاء مراً، ثقيلاً فى حلقه. فاكتفى بما أنبأت به دموعه ربها. إن الله ليس بحاجة للشرح و الطلب. إنه أقرب إليه مِن حبل الوريد.
- قهر الرجال
- التعليقات