– عليك أن تختار الخطيئة التي ستعيش بها، وأنا قد اخترت أن أقتلك.
ضربه على رأسه بالمطرقة عدة مرات حتى خرجت محتويات رأسه وتناثرت في جوانب السيارة ثم نزل منها وأشعل فيها النيران وتركها في الشارع الجانبي تتحول إلى جحيم لروح صاحبها.
أسرع يتجاوز الشوارع المظلمة وصولا إلى منطقة مزدحمة، جلس على مقهى فاخر يلتقط أنفاسه ويتناول قهوته الموكا المفضلة.
ترقب وصول الشرطة، بعد أقل من نصف ساعة وصلت أول سيارة فأسرع خلفها حتى وصل على جمع من الناس يراقبون من بعد الحواجز التي وضعتها الشرطة، سأل أحد الوقوف عما يحدث فأخبره أن سيارة يبدو أنها احترقت جراء حادث كبير.
ظل واقفا حتى حضرت المطافئ وأخمدت الحريق ثم انفض الجمع بعد أن نقلت الجثة إلى سيارة مغلقة بعد وضعها في حقيبة مخصصة لذلك.
اقترب من السيارة المحترقة، لازالت ساخنة ولازالت الأدخنة الخفيفة تتصاعد من جنباتها، نظر في المكان الذي ضرب ضحيته فيه، ارتعد بشدة وتراجع خطوتين للخلف، أغمض عينيه وفتحهما من جديد، كانت العينان المشتعلتان اللتان رآهما تحدقان فيه قد وقفتا تماما أمام عينيه.
التصق بالجدار وأغمض عينيه، ثم تحرك زاحفا بجسده على الجدار حتى خرج عند زاوية الشارع واختفت العيون المشتعلة.
جلس على مؤخرته وأخذ نفسا عميقا وهو يردد:
– لا يهم، أيا كان ما حدثـ، تخلصت من ذلك الشخص القميئ، لن أراه مرة أخرى، ولو كان ذلك شبحه، أستطيع التعايش معه.
عاد إلى منزله مرهقا، استقبلته زوجته بقلق، للمرة الأولى يلاحظ أن هاتفه كان مغلقا، ثم فوجئ بأولاده الثلاثة يعدون نحوه، نظر إلى زوجته غاضبا:
– كيف يسهرون حتى هذه الساعة؟ أليس خلفهم مدرسة غدا؟
نظرت له متعجبة:
– الآن تأكدت أنك لا يمكن أن تكون في حالتك الطبيعية، نحن في الصيف يا زهير وهم في عطلتهم السنوية!
نظر لها طويلا، ثم سقط مغشيا عليه.
رأى زوجته تصرخ بعنف ثم تجمع الجيران كلهم حوله. بعد فترة حملوه على نقالة ونزلوا به عبر الدرج القديم إلى سيارة إسعاف تمنى كثيرا أن يرى العالم من خلالها، وصل إلى المستشفى القريب وقد جاء إخوته ووالده، تفحص الوجوه القلقة يبحث عن والدته، تذكر أخيرا أنها سبقتهم إلى العالم الآخر.
أغمض عينيه وذرف دمعة شوق ساخنة ثم فتحهما، وجدها فوق رأسه في غرفة الإنعاش، أخذ نفسا عميقا وحاول إخراجه، توقفت الأنفاس على عتبات الحواجز الكثيرة داخل الصدر، سمع صوت صراخ الأجهزة ثم تجمعات كبيرة حوله انتهت إلى تعرية صدره ثم صعقه بعنف:
– أيها المجانين! تستغلون عدم قدرتي على الحركة وتعذبونني؟ سوف أحرقكم في المرة القادمة بعد أن أربط كل واحد منكم في مصدر كهرباء عالي الجهد.
عاودا صعقه عدة مرات، ثم فوجئ بهم يلوحون برؤوسهم بعد أن وضع أحدهم إصبعين على عروق الرقبة ويخرجون من الغرفة بينما آخر ممرضة تغطي وجهه:
– أيها المجانين! قلبي لا يزال ينبض؟ هل أنتم أطباء أم سفاحون، حتى أجهزتكم الغبية لا تستطيع التقاط نبضي، هي مؤامرة مكتملة الأركان إذن!
حاول إنعاش جسده بكل الطرق لكنه لم يستطع.
أثناء انشغاله بالصراع مع أجهزته الحيوية فوجئ بمن يرفع غطاء وجهه، شرطي فيما يبدو من ملابسه ومعه شخص يرتدى بدلة كاملة، ثم سمع حوارهم:
– نعم هو.. أنقذه الموت من الإعدام.
– غريب جدا، يقتل مدير شركته ثم يموت في نفس اليوم.
– هل أنت متأكد من الأدلة؟
– طبعا، الكاميرا الجانبية للمصنع القريب سجلت كل ما حدث..
– في الغالب، ولكن وجهه لم يكن واضحا، إلا أننا في اليوم التالي وجدنا في تسجيل لكاميرا مقهى قريب جلوسه عليه في وقت متزامن مع الحادث، ثم ظهر في كاميرات مراقبة إحدى الصيدليات وهو يقف مع الناس كأنه يراقب ما يحدث قرب السيارة المحترقة، أما أغرب ما رأيناه في كاميرا المصنع مرة أخرى فهو ذهابه إلى السيارة المحترقة بعد رحيل الجميع ثم اندفاعه بعنف للخلف نحو الجدار ووالرعب الشديد الظاهر عليه وهو يزحف مبتعدا.
– صحيح بالمناسبة، ما اسم ذلك المشروب الذي تناوله في المقهى؟
– قهوة الموكا
– وهل هي قهوة عادية؟ أم نوع من الخمور أو البيرة؟
– ظننت مثلك في البداية، لكني بعد أن سألت عرفت أنها مزيج من مجموعة من أنواع القهوة، و تُحضّر بمزج قهوة اللاتيه مع شراب الشوكولاتة، مع إضافة بودرة الكاكاو على وجه القهوة، واللاتيه تُحضّر بمزج كمّية من الإسبرسّو مع كمّية كبيرة من الحليب، وتُغطّى بطبقة من رغوة الحليب، أما الاسبرسو فهي قهوة سوداء بدون سكر:
– قهوة هذه أم طبخة مركزة.
– لا أعلم حقيقة.
– هل تعتقد أنه مجنون؟!
– ربما، لكن أسرته وزملاءه يؤكدون أنه كان شخصا طبيعيا تماما.
– لو ربطنا الأحداث في أول يومين ربما كنا عرفنا منه شيئا.
– كان في غيبوبة كما علمنا.
– ثلاثة أيام؟! لتوي داخل إلى هنا أيها الأغبياء، هل أنا ميت حقا؟! هل وصلت إلى اللازمن؟! ولكني أشعر بنبض قلبي، كيف لا تسجل أجهزتهم اللعينة أني لا زلت على قيد الحياة اللعينة أيضا.
أنصت من جديد للحوار المستمر:
– سآمر بتشريح الجثة لمعرفة أسباب الوفاة.
ارتعدت مفاصله المجمدة أصلا:
– ولكن والده يرفض تماما أي مساس به.
– طوال عمري أحبك يا أبي.
– ليس من حقه، هذا متهم في قضية قتل وتوفي في ظروف غامضة، ما يدرينا، ربما كان هناك قاتل آخر تخلص منه، الكاميرات لم تسجل بوضوح ما حدث في السيارة.
– حسن، سنكمل بقية الإجراءات وننتظر تقرير الطب الشرعي.
حاول باستماتة أن يحرك أي من أطرافه وهو يصرخ إلى الداخل
– عالم مجنون. كيف لا يعرفون أنني على قيد الحياة؟! يجب أن أفعل شيئا قبل أن يقطعوني.
اختفى الجميع ثم عم الغرفة سكون غريب استمر لدقائق بعدها جاء شخصان وحملاه إلى نقالة متحركة ثم سيارة إسعاف إلى الطب الشرعي حسب ما قرأ من خلال الغطاء الشفاف وهو على بابها.
وضعوه في غرفة مكتظة بالجثث، يستطيع أن يرى عبر عين نصف مفتوحة ويسمع دبيب النمل في الأرض.
تناهت إلى سمعه المرهف همهمات مختلفة اللغة وكأنها حوار مستمر بين عوالم موازية، أدرك أنه يقف في منطقة بينية، عقاب أم اختبار جديد؟!
قتله الإنتظار، حتى وصل أخيرا شخص متوسط العمر والبنية، أقصر منه قليلا. ذقن غير حليقة وملامح غاضبة، راقبه وهو يعد أدواته ويلعن وظيفته:
– لا يستطيع الإنسان في هذه الوظيفة الحقيرة أن يحصل على راحة؟ حتى الإجازات يجبرونك على قطعها بحجة ضغط العمل وزيادة الحالات؟ لكم أتمنى أن أملك جرأة أولئك القتلة فأتمكن من ممارسة هوايتي على جسد حي، سأبدا برئيسي المباشر، ذلك المنافق المتملق الوصولي، وبالتأكيد سيكون لسانه القذر أول ما أنتزعه بدون أدوات، أين أنت أيها الحقير الذي استدعوني من أجله وتسبب لي في أزمة في البيت وأزمة في الشارع وأزمة حتى مع ذباب المشرحة، سأشرحك بدون رحمة وسألقي ببقاياك للقطط والكلاب.
رفع الغطاء عن رأسه، تفل عليه بغضب ومر على جسده حتى وصل إلى أعضائه الجنسية:
– سوف أبدأ من هنا، سأتلذذ وأنا أقطع لك ما كنت حريصا على حمايته طوال حياتك، ربما أبرد بعض النار التي تشتعل في داخلي.
كان زهير يستعيد وعيه شيئا فشيئا، لكن كلمات الطبيب الأخيرة أشعلت الأدرينالين في جسده فبدأت يده تتحرك أخيرا، استغل التفات الطبيب لإحضار مشرط حاد فأخذ مقصا من المنضدة المجاورة له وطعنه مباشرة في ظهره.
لشدة ذهول الطبيب ومفاجأته لم يستطع أن يصرخ، التفت وكل علامات الرعب تسيطر عليه، عاجله زهير بضربة على رأسه بقطعة حديدية فأغشي عليه.
استيقظ من إغماءته فوجد نفسه مقيدا على الفراش، حاول النطق فلم يجد لسانه، نظر إلى الشاب الثلاثيني الشاحب الواقف مبتسما أمامه، روح أم جن أم شيطان؟
– لا تتساءل كثيرا يا صديقي، أجهزتكم الغبية وزملاءك الجهلة اعتقدوا أنني ميت، لا أعرف كيف؟ للأسف خبرتي الطبية ليست كبيرة، ستتألم قليلا وأنا أخرج أحشاءك، لكني سأبدأ بأعضائك التناسلية الصغيرة هذه.
ضحك زهير بسخرية بينما جن جنون الطبيب فحاول باستماتة حل وثاقه فلم يستطع، حاول استجداءه بعبارات مكسورة لا يفهم منها أي شيئ، استمر زهير في الضحك:
– تخيل يا أخي، قطعة صغيرة جدا من اللحم تدمر العالم كله، منذ قليل كنت تسب وتلعن وتثير غبارا من الكلمات في كل مكان حولك، الآن أنت غير قادر على إخراج كلمة واحدة صحيحة، تعرف، بعد خروجي من هنا سوف أقطع لسان كل من لا أرضى عنه، قد ينقذ ذلك حياة الكثيرين، وسأريحك قبل أن تسأل، حظك العاثر جعلك وسيلتي الوحيدة للهروب، سأشرحك حتى تختفي معالمك كلها بحيث لا يتعرف عليك أحد، وسأفرغ معدتك الممتلئة عن آخرها هذه لأعطيك قواما رشيقا مرة في حياتك، أقصد في مماتك.
حاول السيطرة عليه بصعوبة بالغة، لكنه اضطر في النهاية إلى قطع عنقه حتى يتمكن من إكمال عمله.
بعد أكثر من ساعتين كان قد فرغ من تشريحه بطريقته البدائية وكأنه خروف أو بقرة، فرغ بطنه من محتوياتها، ثم أخرج عينيه وسلخ وجهه، وليقتنع أكثر سكب مادة مطهرة حارقة على الجسد كله فتآكلت معالمه تماما.
خرج مرتديا رداء الطبيب مع ظهور العلامات الأولى لليوم الجديد، لم يلحظ أحد اختلافه حجما وطولا عن الطبيب الأصلي، خاصة عندما نزل إلى الجراج وضغط على زر التشغيل عن بعد وحياه في الضوء الخافت رجل الأمن، وجدها سيارة متوسطة عمرا صغيرة حجما فاستكمل سخريته :
– مؤخرة سمينة وأعضاء مجهرية وسيارة أطفال، لقد أرحتك من هذه الحياة البائسة يا دكتور، أرجو أن ترتاح روحك الشقية في العالم الآخر.
عند وصوله إلى أقرب مقهى فاخر، نزل مسرعا دون أن يغلق السيارة، طلب الموكا المفضلة، تحرق شوقا حتى وصلت أخيرا، تأمل في القلب الذي يحتوي الشعار العالمي للمقهى، تناول رشفة ممتزجة بكل المكونات وخاصة الطبقة العلوية، أخذ نفسا عميقا، ثم نظر إلى الكاميرا القريبة منه، وابتسم في نشوة.