لا يعرف كيف وصل إلى هذا الحي الجديد الكائن في أطراف القاهرة الكبيرة المتوحشة، آتى من الصعيد لتغرقه العاصمة التي لا ترحم في خضمِّها الواسع الذي لا قرار له، يبحث عن عنوان (فيلَّتها) كمأخوذ لا حول له ولا قوة يسير إلى حيث لا يدري، راحت تتلاعب به الأحلام سالبة عقله وقلبه لتلقيه في دوَّامات النشوة اللذيذة محاولاً الإجابة بما يرضي أمانيه الشابة على السؤال المُحير المُسيطر على فكره منذ أن قابلها.
يسترجع اللحظة حين كان يتسكع في وسط البلد قاتلاً الوقت في انتظار قدوم صباح جديد يتقدم فيه بأوراقه إلى إحدى الشركات التي تطلب مهندسين جدد للعمل بها. لا يتذكر- من كثرتها- عدد المرات التي قدم فيها إلى العاصمة للغرض نفسه طوال الخمس سنوات التي سُرقت من عمره منذ إنتهاء دراسته الجامعية، كان يتطلع إلى واجهة محل الملابس المشهور فاغراً فاه مبهوراً بمعروضاته الباهظة الثمن التي لا تقع أبداً في محيط آمانيه مهما تقاضى من أجر حين يعمل مهندساً فإذ بامرأة أنيقة فاتنة في حوالي الخمسين من عمرها تخرج من المحل مسرعة متجهة نحو سيارتها الفارهة ويسير خلفا عامل المحل مُحملاً بكومة ضخمة من الملابس.
اصطدم بها دون قصد فوقف صامتاً وقد أخذته المفاجأة لا يعرف ماذا يفعل أو يقول، نظرت إليه بازدراء مستنكرة فعلته فإذ بها تقف مشدوهة في لحظة صمت توقفت فيها الأرض عن دورانها، تعلقت عيناها به ولم تُسقِطهما عن وجهه، ثابت إلى رشدها فبادرت بتقديم الأسف له ، تعجب لموقفها حين جذبته من يده فجأة وبجرأة لتنتحي به جانباً، سألته عن كل ما يخصَّه، كان يجيبها بخوف وتلقائية وصدق لا يعرف له سبباً. طلبت منه برجاء وإلحاح شديدين أن يحضر إليها في بيتها صباح الغد، كررت له عنوانها وهي لا تدري أنه كان قد حفظه من المرة الأولى، زادت عيناها اللتان التصقتا طويلاً بوجهه من دهشته حتى وهي تمضي إلى سيارتها متطلعة خلفها نحوه. حَيَّره كثيراً- طوال ليلته- سرَّ تلك القوى الخفية التي شدَّتها إليه وشدَّته إليها.
دلف من الباب الرئيسي (للفيللا) ليسير في حديقة غنَّاء تكثر فيها الورود الجميلة المتفتحة فانتشت روحه و مَنَّى نفسه بسعادة غامرة تنتظره في الداخل. وجدها في انتظاره خلف باب (الفيللا) المفتوح له فاتنة جذَّابة في أبهى زينتها، نظرت إليه بعينين مغرورقتين بدموع الشوق فسقطت نظراته خجلة إلى الأرض، أمسكت يده وقادته لتجلسه بجوارها على المقعد الكبير، سادت لحظات صمت طويلة كانت خلالها تمسح وجهه بعينيها ويتنقل هو بعينيه خلسة وبحذر ليلتقط ملامح المكان التي تشير إلى ثراء فاحش، سقطت نظراته إلى الحائط المواجه لتصطدم بصورة شاب يشبهه تماماً داخل إطار أسود اللون ومُثََبَتٌ على ركنها الأيسر شريط أسود لامع.

أضف تعليقاً