في عيد الأم راودني حوار مع الذات. فوددت أن أكتب تفاصيله كما هو
زرت قبر أمي وأشعلتُ شمعةََ الوفاءِ
وسقيتُ الورودَ النابتةَ على الحوافِ
وغسلتُ الشاهدَ راكعاً ساجداَ للصلاةِ
لرب الكون وأنا تائب أطلب الغفران
وبدأت أَئِنُّ ألماً بصوتٍ خافتِ النبرةِ
كي لا أوقظ الراقدين في جوار القبر
ومسحتُ دموعي وبِحْتُ ببنات الشفاه
أماه:
عشقتُ عطر قبركِ فلثمت ترابه الطاهر
أنا مشتاق للقائك وتواق لحضنك الدافئ
فسمعت فجأة همساتها و كأنَّها تكلمني
وظلال روحها الخفية تضمّني وتواسيني
يا بني:
ما بك يا فلذة كبدي وحزنك ملأ القلب؟
كأنَّك دون ذكريات ود للأمس القريب
أجبتها ودمع العين يسرح على الخدود:
ضميني لحضنكِ وارحميني من شقائي
وامسحي براحتيك آثار آلامي وأحزاني
وجودك معنا كان سراً في جمع الأحبة
وكُنْتِ كربطة حطابٍ يجمع زاد الشتاء
أجابتني:
هوّن عليك يا ولدي ولا تَسْتَسْلِمْ للعزاء
شفاعة الرب ترعاكم ولكم منّي الدعاء
فضياء الخير ستبرق من أقداس السماء
فلكلّ داء في الدنيا أهدى الرب الدواء
فأجبت وأنا ألملم آهات آلامي ويأسي
يا أماه :
نحن من نبذر في الأرض كذباً وبغاء
وننشد طمعاً إلى حب المال دون الوفاء
فهفهف لي صوتها بكلِّ حنوٍّ وسألتني :
يا ولدي:
أين أنتم من تعاليم الرسل والأنبياء ؟
ومن كلام الرب في السلام والمحبة
مسحتُ بأكفي دموع العيون وأجبتها:
أمي:
الأئمة عبثوا بتعاليم الرب بخبث ودهاء
والنصارى َيدّعون أنَّ لهم وحدهم الإله
والمسلمون يطالبون بولاية آل الخلفاء
وأولاد موسى وبوذا وأتباع الأولياء
ينشدون المجد العامر لهم في السماء
ولدي:
فاض قلبي ألماً على ما أنتم فيه من بلاء
وكأن أهل الفكر المنير قد تاهوا بالخلاء
أجبتها:
لقد احتاروا بين أهل صهيون والسفهاء
وباعوا الأخوَّة بثمن بخس بسوق الولاء
كما باع يهوذا المخلص في ليلة العشاء
تنهدت وقالت:
يوم غادرتُ كِنْتُمْ أهل الطيب والشرفاء
فلثمت تراب قبرها وناشدتها بكل رجاءٍ:
يا أماه
أنا تائه في هجعة الليل مع نجمة رمضاء
أًشْتَرُّ أغلال أيام القهر والذل بمشقة وعناء
فاغمريني بعطرك كي أشعر بطيب وصفاء
فظلمة اللحد أرحم لي من معشر أهلٍ جهلاء
تَأَوَهَتْ وتَحَسَرَتْ وأَجْهَدَتْ نفسها وقالت لي:
ولدي موعد الزيارة قد قارب على الانتهاء
لحظاتٌ وغاب ظِلَّها ورحل لأعالي السماء
كما غابت روحي عني بين ذكريات الشقاء
فيا أحبتي وأهلي ويا بني أوطاني وخلاني
فأنا هنا باق حيث عطرها باقٍ في الفضاء
فإن مررتم قبالتي فلكم منّي سلام الأحباء