1- كَانَ شَارِدَ الذِّهْنِ كَئِيبًا، يَمْتَطِي أوْصَابَ السِّنِينَ الضَائعَةِ، يَلُوذ بِحِضْنِ شَجَرَة وَارِفة الظلال، يَفْزَعُ لِصَرِيرِ الأَبْوَابِ وأبْوَاقِِِ السيَّارَاتِ، يَخْتَرِقُ غِشاءَ الصَّمْتِ بآهَاتٍ حَزِينةٍ، وَصَبْرٍ شَحِيحٍ، أنَامِلُ الضَوْءِ تعْبَثُ بِعَيْنَيْه الْقَابِِعَتيْن فِي أدْغَالِ جُفُونٍ مُسَهّدةٌ أثقلهَا خَريفُ العُمْر، واستبدَّ به العَنَاءُ، يُرْسِل تنْهِدةً تُشْبِِهُ الأَنِينَ ليَخْترقَ حُجُبَ الصَّمْتِ، لِيُرَاوِدَ مَسَافَاتِ المُنتَهَى، يُفرِكُ كَفيْه ببعْضِهما، يُطفئُ نارَ الشَّوْقِ وَذلِكَ الْْحَنِينُ بالاسْتغفار حينا وبقرَاءَة القرْآن أحْيانا ، عَيْناهُ مُثبَتتانِِ عَلَى سَيَّارَةِ ضَخْمَةٍ جَاثِمَة قرْبَ الْمَقهَى، نَظَرُاتُه فِيهَا كثيرٌ مِن عَلاَمَاتِ الاسْتفْهَام، لم يَعُدْ فِي حَيَاتِه شَيْءٌ يَسْتحِقُّ الاهْتمَام، فهو غَيْرُ مُهْتَمٌّ بِمِحِيطِهِ مُنذُ أنْ رَحَلتْ زَوْجتَهُ إلَى عَالم الخُلودِ، وهِيَّ فِي رِحْلة إلَى العُمْرَةِ، كان يُحبَّها حُباً يَفُوقُ الوَصْفَ، قامَة سَامِقة، سيِّدَة كَرِيمَة، عَفِيفَة طيِّبَة، عَاشَ مَعَهَا عُمْرًا حَافِلاً بالمسَرَّات، مُعجَبٌ بجَمَالِها وأخْلاقِهَا، مُدنَّفٌ بحُبِّهَا، شَاءَتِ الأقْدَارُ أنْ تَغِيبَ وتترُكهُ وحِيدًا كالطِّفل الهَائِم، مَادَةً مُشْتَهَاةٌ لأحَادِيث رُوَّادُ الأرْصِفَةِ.

2- تِلكَ الكَائِنَاتُ البَشَرِيَّة الذبَابِيَّة المَسْحُوقَةِ، التِي جَرفَهَا سَّيلُ الأيَّام البَائِسَةِ كَمَيِّتِ الْعُشْبِ، والتِي لا يَجْمَعُ بيْنَها أيُّ انتِمَاءٍ سِوَى الفَرَاغ وَالبطَالَةِ وسُوءُ المَظهرُ، تبْتلعُهم الآفَاتُ فيَذوبُون في جَوْفِهَا ويُفسِدُون، يُسْمِعُون الرَّجُل كَلاَمَّا هَابِطًا رَخِيصًا: امْرأةٌ وَاحِدَةٌ لاَ تَكْفِي رَجُلاً، الذِي فَقَدَ زَوْجَتهُ فِي خَرِيفِ الْعُمْر أسْوأ الرِّجَال عَلى الإطْلاقِ، كلمَاتٌ تلعْبُ عَلَى الْمَشَاعِر فتجْعَلُ الْحُزنَ يَلتهِمًُ قلبَهُ في صَمْتٍ؛ تَنِزلُ كالصَّوَاعِق عَلى رَجُلٍ يُعانِي مَرَارَة الْفِرَاق وطُغيَانَ الغُرْبة، ألْسِنةُ حَادَةٌ في مُجْتمَعَاتِنَا تمْتدُّ بالأذيّة ولا تُبَالِي، فالذِي أصَابَهُ الوَهَنُ فِي هَذا العُمْر لاَ يَسْتطِيعُ حَمْل حَقَائِبَ مِنْ خَشَبٍ عَلَى كَاهِلهِِ مَرَّة وَاحِدَةً، لقدْ وَجَد نَفسَه فِي بَيْتٍ مَهْجُورٍ، غَابَت فِيه لَمَسَاتُ البَهْجَةِ والحُبُّ، تنَاثرَ أثاثهُ وتبَعْثرت أشيَاؤُه، وسَكن العنْكبُوت زوَايَاهُ، بيْتٌ كَانَتْ الأجْوَاءُ فِيهِ مُشِعَّة بِالْمَرَحِ وَالَمزَاحِ والحَرَكَة الدَّءُوبَةِ، مَا بِقِيَّ لَهُ سِوَى عَصَا تُقرَعُ لِذِي حِلْم، يَضْرِبُ بها عَلَى الأرْض كالعَازِفِ عَلَى أَوْتَارِ الْعُمْرِ، ليُعْلِنَ عَن وُجُودِه ، يُحَاوِلُ إحْضَارَ قهْوَتِه بِنفسِه، ولَذَّةَ الْقَهْوَةِ وَنَشْوَتَهَا غَابَتْ مَعَ سَيِّدَةِ الْبَيْتِ، يبْحَثُ عَن ابْتسَامَةٍ، عن كلمَاتٍ دَافِئَة ليَسْتَأنِسَ بهَا، ليَبتعِدَ عَن شَبَحَ الوَحْشَة والسَّأم، وخَيْرٌ لَهُ أنْ يصْمُت، أو يُعَانِقُ أطيَافَهَا ويعانق خيالها؛ وفي أقَاصِي القلبِ وِدًّا يَرْتشِفُ الذِّكريَاتِ بِمَرَارَة، ويَأْخُذُ مِنَ الفَرَاشَاتِ أحْلاَمَهَا.

3- ذَاتَ صَبَاحٍ وهُوَ يتهَيَّأ للخرُوج من بَيْتهِ يَسْمعُ الْبَابَ يُقرَعُ، يُدِير المِِفتَاح بِلطفٍ، لحَظاتٌ غيْرُ مُتوَقعَّة تمُرُّ، يَجِدُ فِيهَا نفسَه أمَامَ ضَابِطِ الشُّرطة، والعُيُونُ فِيهِ مُحَدَّقة، يَبْتسِِمُ فِي وجْهِه بَاشاً مُرَحِّبًا، يَمُدُّ يَدَه مُرتجِفَة يُصَافحُهُ، يسْألهُ الضَّابط: هَلْ أنْتَ الأسْتاذ:عَبْد الْحَفِيظ، أجَل.. أنَا عَبْدُ الْحَفِيظ.. لدَيْك اسْتدْعَاءٌ مِن سِفارَة الْمَمْلكة العَربِيَّة السَّعُودية..ومَاذَا يُريدُونَ ؟ عَليْك أنْ تُسَافرَ إلى العَاصِمَة، وتأخُذ مَعك جَمِيعَ وَثائِقك، الأمْر مُسْتعْجَل، سَرَتْ فِي جَسَدِه رَعْشَةً وَانْتابَهُ ذُعْرُ يشبه الخوْف، أشَاحَ بِوَجْهِه إلى البَهْو الفَارِغ مِنَ البَيْت، ترَاجَعَ إلَى الدَّاخِل، وَهُو يَحْمِلُ مَعَه ظِلَّهُ، يَندَلِقُ الدَّمْعُ الهَتون من مُقلتيْه، يَغلقُ عَيْنَيه ليَرَى بِوضُوحٍ مَا خَفيَّ عَليْه، وفي السُّكُونِ الْعَمِيقِ يُمكِنُ للأرْوَاح أنْ تَتلاَقَي، يبْحَثُ عن شَيْءٍ يَمْنحُه صَوْتهَا، يَجْلسُ عَلَى حَافَّة السَّرِير حَيْثُ يَنَامُ سَدِيمُ المَوَدَّةُ والرَّحْمَةِ، يُعِيدُ قراءَة الاسْتدْعَاء أكثرَ مِن مَرَّةِ، يُمَعِنُ النَّظر في الْعِبَارَةِ، من أجْلِ اسْتلاَمِ زَوْجَتِكَ رَابِعَة..! تسْتوْلي عَليْه الصَّدْمَة وتغمُرُه سَعَادَة، يَقْتفِي أثرَ الدَّهْشَةِ، ترَاوِدُهُ المَتاهَاتُ وَالنَّسَمَاتُ الْحَزِينَةُ، مَضَى عَلَى وَفَاتِهَا أكثرَ مِنْ عَام والغيَّابُ يَنهَشُ كبريَّاءَه، يَسْألُ نًفسَهُ سُؤَالاً مُرْبِكًا، لعَلهُم يُريدُون شَيْئًا غيْرَ هَذا.! يُلْقِي عَلَى النَّفْسِ مَخَاوِفهَا، يَفزَعُ يَجْمَع أوْرَاقهُ يُرتِّبهَا في مِحْفظة، يَدُسُّ بعْضَ الْمَلابِسَ في حَقيبتِه، ويُفاجَئُ بوجُود كوْكبَة من الشَبَابِ تتَحَلَّقُ فِي مُوَاجَهَةِ الْبَابِ يَنْتظرُونَ، إنَّهُم جَاؤُوا لتقدِيم يَدِ الْعَوْن لَهُ، يَرْكَبُ تِلْك السَيَّارةَ الْمَرْكونة قرْبَ الْمَقْهَى، يَرْحَلُ إلَى العَاصِمَة، وفِي السِّفارة يُسَلمُونه التَأشِيرَة ولَوَازِم الرِّحْلة، يَقولُون:زوْجَتك رَابِعَة في الانْتِظَار فيَصيحُ: زوْجَتي توفيَّت، وجَاءَ المُعْتمِرُون بحَقائِبهَا، مَهْلاً..سَتَعْرِفُ كُل شَيْءٍ لاحِقا.
4- يَتَلَكأُ بُِرْهَةً، يَتَحَسَّسُ الأَخْبَارَ يَقتفِي أثرَهَا، وبِوَجْهٍ شَاحِبٍ مُقْرَفٍ، يَرْكَبُ صَهْدَ الْبَوْحِ عَلَى مَضَضٍ، يَتشبَثُ بأهْدَابِ الشَّوْق والوَفاءِ، يَقطعُ الْمَسَافة دُونَ أنْ يَشعُر، نبْضُ قلبِِهِ يزدَادُ خَفَقَاناً، يَدَخُلَ الْحَرَمَ الصُّبْح بِقلْبٍ كلُومٍ، وَسَطَ حُزْنٍ غَامِرٍ مَمْزُوجٍ بِالفرْحَةِ الْعَارِمَة والخَوْفِ، مُلَبِيَّا خَاشِعًا مُتَضَرِّعَا مُتسَائِلا، وَجَاءَ مَنْ يَرْشُدهُ، لم يُصدِّق أنَّهَا مِنَ الأحْيَاءِ، اسْتوَلَتْ عَلَيْهِ الصَّدْمَة والذهُولُ، فقَاوَمَ وكتمَ أنْفَاسَهُ، فَالأَخْطَاءُ جَعَلتْهَا مَيِّتَةً، إثرَ تَعَرُّضِهَا لِحَادِث مُرُورٍ، لِتدْخَل فِي غَيْبُوبَةٍ، تشَاءُ الأقْدارُ أنْ تمُوتَ سَيِّدَة فِي ذَاتِ الغرْفَة بِالقُرْب مِنْهَا تُشبِهُهَا، يَخْتلطَ الأَمْر عَلَى الْمُسْعِفِينَ، وَبَعْدَ أنْ اسْتعَادَتْ عَافِيَّتهَا أخْبَرَتهُم بِقصَّتِهَا، فاسْتَدْرَكُوا الأمْرَ، قَضَتْ فَترَة النَّقَاهَةِ ضَيْفَة عَلى أسْرَةٍ سُعُودِيَّة فاضِلةٍ، ويَبْقَىَ بِقلبِ الزَّوج المُتيَّم سُؤَالٌ وَهُوَ يَدْخل مَكَّة آمِنًا، لمَاذَا ابْتعَدَتْ وَمَاتتْ ثمَّ أشْرَقتْ كَالشَّمْس مِنْ جَدِيدٍ؟ هَلْ الْمُرَافِقِون لَهَا أدَّوْا مَاعَليْهِمْ؟ أمْ هُمْ تجَاهَلُوهَا وَزَهدُوا فيهَا ؟! في هَذِهِ اللَّحَظَاتِ يَقُولُ لَهُ دَلِيلُهُ: أنْتَ عَلَى مَقْرُبَةٍ مِنَ الْبَيْتِ الَذِي يَأوِيهَا، أجَلْ.. كَانَتْ تتهَيَّأ لاسْتقبَالِه، ولمَّا رَأته حَسِبَتهُ تُحْفَة أثريَّة مُسْترْجَعَة، تَمَلمَلتْ ثم نَهَضَتْ مِن مَكانها كالْمَفزُوع، اسْتَوَت وَاقِفَة كَتِمْثالٍ نُحَاسِيِّ وهِيَّ تعْصُر ذَاكِرتهََا، تسْتقرِى الصَّوت النَّديَّ، يُدَاهِمُهَا الضِيِّقُ، تَتشِحُّ مَلامِحَ وَجْهِهَا حُمْرَة مَشُوبَة بِحُزْن، تَهْتِفُ بَاسِْمَه، تُحَاوِلُ إخْفَاء دُمُوعِهَا، عَيْنَاهَا تَشِعَّان بَهْجَة، يَقِفُ أمَامَهَا في رَهْبَة وَخُشُوعٍ، يَبْتلعُ الْكَلمَاتِ ابْتلاعًا، يَسْكبُ مَشَاعِر َفيَّاضَةً وَيَسْكُنُهُ شيْءٌ منَ الْحَنِينِ، تَتعَثرُ الْكَلمَاتُ، يتأمَّل تضَارِيسَ وَجْهِهَا، تَقِفُ شَامِخَة كالنَّخلة، تهْتفُ باسْمِه يا فرحتاه..!

5- فيَا لَهُ مِنْ مَشهَدٍ عَظِيمٍ..! إنَّهُ يَحُسُّ بِهَوْلٍ شَديدٍ ودَهْشَةٍ، يَهْمِسُ إلى نفسِه..هِيَّ بِذاتِهاَ وصِفَاتِهَا.! تتعَثرُ كلِمَاتهُ، إنَّهَا مَازلْت عَلى قيْدِ الْحَيَاة ؟! يا امْرَأة مَنْ جَعَلَكِ تََموتِينَ بِتلْكَ الطرِيقَةِ ؟! قَالَهَا بِصَوْتٍ جَهُورٍ سَاخِر فيه لوْعة، هَمَعَتْ عَيْنَاهَا بِدَمْعٍ هَطُولٍ وارْتَعَشَتْ، فَاحْتَضَنهَا مُقبِّلاً والدُّمْعُ هَطُولٌ، تَنْظرُ إليْه مَشْدُوهَة مُشفِقَةً، تبْكِي مَرَارَة اللوْعَة، يُبادِلُهَا نَظَرَاتٍ مَرْشُوشَة بالسَّعَادَةِ والبشَارَة، يَرْفَعُ صَوْتهُ لِيزِيل الأحْزَانَ: يقَولَ مُتلَطِّفًا: كَنتُ فِي لَهْفةٍ وشَوْق لِرُؤْيَتِك وَمَعْرِفَة أخْبَارَكِ، تَحَققَ الحُلمُ الْجَميلُ، حُلم أتشَهَاهُ يُلازِمُني كالطيف أنْ تَعُودِي، هَيَّا نَزْرَعُ سَنَابِلَ الأمَل فِيمَا تَبَقَّى مِنَ الْعُمْرِ، واسْمِعِنِي قِصَّتك! نَكَّسَت رَأْسَهَا وقَالتْ: إنَّ الْحَيَاةَ مُترَعَة بِالقِصَص والْمُفَاجَئاتِ، الحَياةُ إخْفَاقَاتٌ ونجَاحَاتٌ، ألوانٌ مِنَ الأَلَمِ والسّعَادَةِ؛ يَنْظرُ إلَى وَجْهِهاَ فَيَرَاهُ كالبَدْر يَنْضًح فرْحَةً والابْتسَامَة طافِحَةِ بالسَّعَادَة، يَكتشِفُ بَرِيقًا من حُبَّهَا القدِيم، والحُبُّ الصَادِقُ لاَ يَمُوتُ، ترَكتْهُ حَتَّى سَكنَ جَأشُهُ، وسَألَتْهُ بِلطْفٍ: كيْف أحْوَالُ الْبَلَدِ؟ ثم نَاوَلتهُ رَشفَة مَاءٍ ، ليُبَلِّل جَفَافَ حَلْقِه وَيَرْوِي ظمَأه، َتسْألُهُ ثَانِيَّةً:من جَاءَ بِكِ إلَى هُنا؟ كَيْفَ اهْتَدَيْتَ؟ وَتقُولُ مُتنهدة: ما أكثرَني حَنِينًا إلَى مَرَابعَ الصبا ! وما أشَدََّ الشَوْقَ إلَى الوَطن! كَلِمَاتٌ كَنَسْمَةٍ تلْمَسُ غُصْنًا يَتأرْجَحُ، تَسِيحُ الدُّمُوعُ عَلَى خَدَيْهَْا سَيْلاً تُكَفْكِِفه وتجْهِشُ بالبُكاءِ، يهمسُ إليْهَا مربِّتاً عَلَى كَتِفَيْهَا، رُوَيْدَكِ يا عَزِيزَتي.. هِيَّ لَحَظَاتٌ مِيلاََدٍ جَديدَة نعِيشُها كأعْرَاسِِ الاشتِهَاء، هَسِيسُ َفرْحَةٍ عَارِمَةٍ لا توصَفُ، وسيَبْقَى الْعُودُ أخْضَرَ ماَ بَقِيَّ اللِّحَافُ.! سَيَعُودُ كلُّ غَائِب إلَى وطنهِ حَتَّى وَإِنْ أَتَتْ عَلى البُيُوتِ الآمِنةِ الرِيَّاحُ الْهُوجُ ….!.

أضف تعليقاً