واخيرا جاء اليوم المنتظر..أدركتُ هذا لما رأيتُ أبي يهز رأسه في خيلاء وجموح والشَعر المائل الى الحمرة يعلو ويهبط كموجة خفيفة من خيوط الحرير على ساحل عنقه الجميل، ويُحمْحِمُ لهفةً وشوقا فوق حوافر ترقص على ايقاع نواقيسٍ صغيرة صفراء تتدلى من خصلته البهية ولِجامه الفاخر الذي حاشا ان يشبه الرِّسْن، وعلى ظهره القوي المتناسق السّرجُ المزركش اللامع الذي طالما تمنيتُ لو اكبر سريعا لأتفاخر به على ظهري.! وكذلك لما رأيتُ السيد يمد كطائر جناحي سلهامه المائل بياضه الى صفرة فوق جلباب ناصع البياض كالكفن وبَلْغة صفراء لم تُلبس من قبل وتحت الطربوش الاحمر المخصص للمناسبات الكبيرة، ويهيأُ بندقيته العزيزة عليه كقطعة من روحه، بعد ان مسح عليها بحنان باد.!
لقد اشرقت شمس اليوم الاول من ايام المهرجان السنوي للفروسية، وسربلتِ الفضاء بأشعة فرح طال ليل انتظارها على مدى شهور عام كامل..كدتُ اطير من الفرح..ركضتُ. قفزتُ. حمحمتُ كأبي، واندفعتُ في ساحة اضيق من توثب وجموح روحي بين الاصطبل حيث امي، والمكان الذي يقف قربه السيد مشرفا على الرتوش الاخيرة من عملية الاستعداد قبل الانطلاق الى ارض المهرجان التي لاتبعد كثيرا عن داره الكبيرة، موزعا اوامره بين الخدم حاثاً اياهم على الاسراع اكثر..فاقتْ فرحتي الطافحةُ الفرحةَ البادية على ابي وعلى السيد، إذ لأول مرة سأحظى، انا الذي ياما استعجل مرور الايام ليكبر، بفرصة انْ أُثبت لهم اني كبير بما يكفي، قوي، رشيق، سريع، استحق ثقتهم، بعد ان يلفوا لجاما تزينه النواقيس حول رأسي، ويضعوا سرجا جميلا فوق ظهري المتحفز يُتَوَّجُ بفارسٍ يفتض بكارة سمعي بأول طلقة يوقع دخانُها شهادة ميلادي، واكون افضل خلف لخير سلف.! لهذا مددتُ لهم رأسي، بكل لهفة وفرح، ليضعوا اللجام حول رأسي والسرج على ظهري، دون ان اخمن بالضبط اسم الفارس الذي سيفتض عذرية اليوم الاول لمشاركتي في المهرجان، وإن كنتُ ارجح اسم إبن السيد الاكبرُ.! لكني تفاجأتُ بهم يضعون في فمي الرسن عوض اللجام، فأخرسني الذهول. ثم صارت المفاجأة صدمة حين إلتصقتْ بظهري بردعة قميئة، كتلك التي كانت على ظهر الحمار، عوض السرج المنتظر.!!طاف بصري المرتجف المفجوع بخيبته بين الوجوه مستفسرا عن الذي كان يجري.؟ ولَمّا لم يجد جوابا، اندفعتُ من بين الايادي، صائحا:
– أبي، أبي..
لكنه بادرني بركلة من حافره المتوثب، وصهل في وجهي بصوت جاف كصوت النواقيس التي تتدلى منه:
– لست أباك.!
اندفعتُ الى الاصطبل ملتاعا :
– أمي…
لكنها، وقبل ان تتركني اكمل، صهلتْ في وجهي المنطفأ ببرود كبرود الكلأ الذي كان امامها، بعد ان هزتْ خصلة شعر تغطي عينها الهادئة، وأشارتْ برأسها :
– ذاك هو ابوك.!
تعالتْ قهقهة من نهيق حمار ارتفع من الاتجاه حيث اشارتْ، فاعتراني غضب حارق، وهممتُ بالاندفاع صوبه كعاصفة محتقنة، لكن قبضة قوية أحكمتْ لَفَّ الرسن حول عنقي، وصوتا ساخرا همس في أذني:
– تعال أيها البغل الاحمق.!
فلم استطع حراكا..!

أضف تعليقاً