..أنهيتُ حرث بقعة أخدت مني بضع ساعات، وكان عليّ وضع البردعة من جديد على ظهر البغل وتحميله كيسي البذور والسماد للإنتقال الى بقعة أخرى أبعد قليلا.بعد أن بلغتُ حدودي حيث تبدأ حدود الآخرين التي لاأستطيع التطاول وراءها.! وقبل أن أفعل، شربتُ غراف ماء وسكبت بضع رشفات شاي تكفي بضع ” شقيفات” كيفٍ من السخانة، وجلستُ الى السبسي الذي كنت أخاله كعصا موسى استطيع أن أشق بها امواج حياة ظالمة وأمضي مخلفا ورائي سحابة دخان تصعد سلالم الهواء لامبالية.! ورحتُ أدخن فيم عينيّ تركضان في اندهاش واستغراب بين تضاريس أرض بدتْ خالية من الحراثين على غير المتوقع.! وقفت من جديد ملتفتا في كل الإتجاهات : مامن أحد.! زاد إستغرابي وصار ممزوجا بالقلق فصعدت الى ربوة قريبة، ودار رأسي بين الإتجاهات دون أن ألمح أحدا..شعرتُ بالخوف يفتح جفونه في نفسي، نظرت الى الشمس وقد أخذت طريق الزوال في اتجاه المساء، واستنكرت استيقاظ الخوف في واضحة النهار.! لكن السؤال عن الحراثين الذين اختفوا من وجه الأرض حولي، على غير العادة، كان جرس قلق غامض تتصاعد دقاته وتخبر عن أمر جلل قد حط. ولم اعد أستطيع ان أعرف أين كنت حتى غاب عني الخبر وحضرتُ لأحرث وفي ظني أن الجميع مثلي يحرثون، أنا الذي لاتغيب عنه الأخبار، ولا أفطر قبل أن اتناول اول نشرة منها كما لاأنام إلا بعد ان أسمع آخر نشرة، فالمذياع وسادة أخرى أضعها عند رأسي، رغم أني لم أحظ بنعمة فك الحرف، لكن ورغم هذا صرت أعرف الاخبار وأسماء الدول والرؤساء، وإن كنت أجد صعوبة في نطق بعضها.! ومع ذلك حضرت لأحرث دون اي علم بأي شيء كما لم يخبرني أي احد بأي أمر، والناس لايفوتون عادة أي نهار من أيام الحرث إلا إذا أرغمهم المطر.! جلستُ على حجر، وضعت رأسي بين يدي، ورحتُ أعصر ذاكرتي علّها تسعفني بملمح يسمح لي بتبين الذي كان يجري أمام عينيّ البكرتين في ارض صارت خالية وغريبة. قفز بصري الى البغلين المشدودين الى المحراث المغروز في التراب، كانا في نفس لونيهما المألوفين، لكن الشك تمطط الى وجهي، فخشيتُ ان تكون ملامحي قد أخذت شكلا آخر كما تضاريس الأرض حولي التي لم أعد أعرفها، وتمنيتُ لحظتها لو كانت بحوزتي مرآة.! صار الشك وسواسا ينغل في كياني كزحف لجيوش من النمل، ورأسي أصبح كرأس بومة يدور في كل الإتجاهات، وماكان أمامي من حل لأثبت لنفسي أنه لايمكن لرأسي ان يصير كرأس بومة، لهذا لمعتْ في دماغي فكرة توسمتُ فيها خيرا، فأسرعتُ الى كأس الشاي وغسلته ثم ملأته بالماء عساني أرى وجهي على صفحته وأتأكد من شكله وكيف صار.؟ لكن، ويالدهشتي التي امتدت أمامي كجرف سحيق، صار الكأس أوسع من قبضتي، واستمر في اتساع مضطرد، الى ان أصبح عينا صافية رقراقة ينساب ماؤها كموال جميل وسط مرج أخضر صعد فجأة الى مرمى البصر كما من تحت التراب.. نظرت الى مرآة من ماء أمامي بعين كعين آدم لما انفتحتْ أول مرة على أرض دنيا غريبة، فطفا على سطحها الصافي وجه غريب تبرز فوق جبهته العريضة خصلة شقراء نافرة كقرن أشقر وتطل منه عينان باردتان يتوسطهما بؤبؤ ميال لونه الى زرقة خفيفة وبشفتين مزمومتين بشكل يوحي أنك أمام فم قال كلمته الأخيرة توا وانتهى الأمر.! جفلتُ وقفزتُ كمن لذغه ناب سام، ونظرت أمامي، فوجدته يقف منتصبا في معطف أسود طويل حد الركبتين تحته سروال أسود ينتهي بحذاء أسود ايضا وتبرز من عنقه ربطة حمراء، وسمعته يقول بصوت قاطع:
– لاتخف..! ألم تعرفني..!؟
تمتمتُ كولد خائف:
– ل أأأ لاسيدي.!
– معقول.! كيف لاتعرفني والعالم كله يعرفني، وصورتي تعرضها كل تلفزيونات العالم بالنسبة للذي لم يحظ برؤيتي مباشرة.!؟
– ل أأا ليس لدي تلفاز سيدي، ولاأملك إلا مذياعا قديما.!
– هكذا إذن، لكن لابد أنك سمعت بأسمي الذي هو أشهر من نار على علم.؟
– وووماهو إسمك سيدي.!؟
– دونالد ترامب، ألم تسمع بهذا الإسم الذي يتردد صداه في أرجاء الأرض.!؟
– أأأنت سيدي هو دونالد ترامب بشخصه.!؟
– نعم بشخصه ولحمه وشحمه وعظمه وعظمته.!
– وووتتكلم العربية أيضا سيدي.!؟
– ومالغرابة في ذلك مادامت كل الألسن طوع حلقي.!؟
– وووجئت حتى هنا سيدي.!؟
– الأرض كلها رهن أقدامي، ولاغرابة هنا أيضا.! ثم أنا مستعجل، وليس لدي فائض وقت لأهدره..فبلاشك تعلم ماجرى لي في الإنتخابات الأخيرة التي سرقت مني نتيجتها.!؟
– نن نعم نعم سيدي، أعلم أن ذاك المدعو…
– جوزيف بايدن.!
– نن نعم سيدي، لم يتعود بعد لساني على نطق إسمه الثقيل، عكس إسمك العظيم الخفيف على النطق والسمع، أعلم أنه سرق منك الإنتخابات التي لايمكن أن تخسرها أبدا.!
– لهذا أنا هنا.. أريد ان أسترجع فوزي المغتصب مني، بل أكثر، أريد أن أصبح ملكا للولايات المتحدة الأمريكية، وسيكون الأمر حدثا تاريخيا عظيما لم تشهده أمتنا العظيمة من قبل وسيشع على ربوع الأرض كلها. لهذا، في الحقيقة، أحسد الملوك على نعمة الحكم التي لاينازعهم فيها أحد كل اربع سنوات.!
– أأأنت ملك سيدي، بل ملك ملوك الأرض.!
– لذلك أريدك أن تحتفظ بهذه المحفظة الصغيرة عندك ريثما أعود، بعد أن أجمع جيشي وأرتب صفوفي وأضع خطتي للزحف على العاصمة واشنطن.!
– مم معذرة سيدي، ماذا في المحفظة.!؟
– سأكون واضحا معك، نحن هنا نجري صفقة أيضا، سأترك هاته المحفظة التي بها الزر النووي لديك أمانة، مقابل ان أملكك كل هذه الأراضي التي حول فدانك، ولن تضطر مرة اخرى الى القفز بمحراثك من بقعة صغيرة الى أخرى أصغر لاتجاورها.!
وضعتُ يدي على قلبي، والتصقت عيني بمحفظة الفناء ولم أستطع النطق. فقال ترامب بنبرة تميل الى الانفعال والصراخ قليلا:
– لاتخش شيئا، لن تنفجر المحفظة، فأنا وحدي من يملك شرف إعطاء إشارة الإنطلاق، فقط احتفظ بها الى أن أعود.!
– صصص صحيح حح ان هذه الأرض كلها ستعود في ملكيتي سيدي.!؟
– أجل أجل، حالما أسترجع حقي في البيت الأبيض.!
– نن نعم سمعت كثيرا البيتَ الأبيض، وكنت أتخيله في شكل بيضة كبيرة.!
– إيه، أنا لست ديكا لأسكن بيضة كبيرة، أنا دونالد ترامب.!!
– عع عفوا سيدي، لم أقصد…
– انتهينا، دعها عندك إذن، وأنا سآخذ هذا الجواد وأنطلق.!
وحين صار فوق سرجه، نمت قبعة طويلة فوق رأسه وبرز حزام على خصره يتدلى منه مسدس كذاك الذي سبق ورأيته لدى الدرك والْتَفَّتْ جزمة طويلة حول قدمه ثم قال لي:
– بلاشك لم تشاهد أفلام الوسترن من قبل.!؟
– أأالووسسس…..
– خسارة، إنهم أجدادي، وأنا حفيدهم البار.!
وانطلق الجواد الاحمر مخلفا وراءه سحابة غبار زحفتْ علي، وجعلتني أمسك محفظة الفناء الغريبة دون وعي كأني أخشى أن تأخذها تلك السحابة مني.! وقبل أن ألملم أشتات نفسي سمعت صوتا غريبا يقول:
– شالوم، شالوم..!
إلتفتُ جهة شخص غريب لم أره من قبل، كان ينظر إلي بعين ذئبية لاتستطيع أن تخفي مُكرها وعلى شفتيه ابتسامة غامضة بينما يده تمتد نحوي لتصافحني، فقفز الدم الذي يلون أصابعه الى بصري، ولم يكن مني سوى ان شددت على المحفظة وقفزت الى الجواد الآخر كما فعل ترامب لأنطلق بأقصى سرعة هاربا بجلدي وبالمحفظة الأمانة، لكنه صار حين لمست سرجه مجرد بغل ذكرني بأحد البغلين الذين كانا مربوطين الى المحراث، واكتفيت بساقي واندفعتُ لاألوي على شيء.! لكن قهقهة قوية عابثة ركضتْ وراء أذني ثم سمعتُ صوتا واثقا يصيح ساخرا:
الى اين تهرب أيها الأحمق.!؟ أقصى مكان يمكن أن تبلغه هو أحضان ترامب، وأحضانه امتداد لأحضاني.! ألا تعرفني.!؟ انا بنيامين نتانياهو ومن لايعرفه.!
سقط الإسم على مسمعي كالسوط على ظهر دابة تراختْ قليلا، واندفعتُ أكثر، أكاد أبصق انفاسي اللاهثة، لكن بإصرار على الإفلات من يد نتانياهو الملوثة بالدماء. الى أن بلغتُ عتبة الغابة حيث اختفى سابقا دونالد ترامب المندفع على جواده الأحمر كموجة غضب عارم، إذ لم أعد ارى نتانياهو الذي لم يكلف نفسه عناء اللحاق بي، فخبأتُ محفظة الفناء بحذر شديد خشية ان تلمحني عين ما، وعدتُ مسرعا الى حيث تركت بنيامين نتانياهو يقهقه ساخرا ممن فراري الذي بلاجدوى.! لكني صعقتُ حين وجدتُ عيني تطل على أسوار ضخمة وعالية على مداخلها جنود مدججون بالأسلحة وبداخلها تتصاف مباني كثيرة.! وقفتُ حائرا لاأدرك مالذي جرى، الى أن أسعفتني ذاكرتي بكلمة طالما سمعتها في نشرات الأخبار وهي: المستوطنات، ففهمتُ أن نتانياهو شيد مستوطنة حيث كنت أحرث وعلى الأرض التي وعدني ترامب بملكيتها حال استرجاعه البيت الأبيض، فقلتُ لنفسي لابد ان أشكوه لدونالد ترامب حالما يعود.! وقفلتُ راجعا الى عتبة الغابة حيث خبأت محفظة الفناء. لكن سحابة دخان هائلة حلقت فوق الغابة فجأة، وامتدت وراءها ألسنة نار عظيمة كأنها تريد ان تلعقها وتعيدها من حيث انطلقتْ، فأدركتُ أن حريقا جبارا اشتعل في الغابة، ولم أعرف ماإذا كان ترامب هو من فعل ذلك في طريق استرجاعه البيت الأبيض، أم ذاك المدعو… كنت قد نسيتُ إسمه الذي لم ينطبع بعد في ذاكرتي البطيئة ذاك الذي سرق الإنتخابات من ترامب.؟ استعر قلق جامح في نفسي كاد أن يشلني تماما عن الحركة، حين تنبهتُ الى امكانية أن يسبقني الحريق المندفع كامواج من لهب في الغابة الى حيث خبأتُ المحفظة الملعونة، إذ يمكن ان تنفجر وينفجر معها الفناء شظايا من موت يطال الأرض ومن عليها، وحتى إذا احترقتْ ولم ينفجر شيء، فلن أسلم من غضب ترامب حينها قد يضعني فوق صاروخ ويقذفني الى السماء.! اندفعتُ بأقصى ماكان في جعبة ساقاي من سرعة، مسابقا ألسنة النار ملاقيا سحابة الدخان العظيمة، لكن الأرض، فجأة، صارت تحت حذائي منبسطا من وحل تغوص فيه القدم أكثر مع كل خطوة جديدة ويزداد ثقل الحذاء مقدارا أكبر، فاستحال علي الإستمرار، وسقطتُ في الوحل مطلقا صرخة كصرخة طفل في أشد حالات الرعب هوْلاً لكنها كانت تخرج من صدر رجل.!)
فتحتُ عيني على هزة خفيفة من يد زوجتي، وسمعتُ صوتها يسألني في استغراب ممزوج بالقلق:
– أي حلم هذا الذي جعلك تخبط بيديك ورجليك كأن يدا تلوي عنقكَ.!؟
كان الظلام لازال حالكا، والمذياع لازال مفتوحا، ولم تكن الديوك قد أرسلت صياحها بعد كرسل تؤذن لمجيء الفجر، كما لم يكن هناك أي صوت غريب، سوى صوت القطة الأليف وهي تغط في نوم عميق، فقلتُ لها بصوت هامس:
– سأحكي لكِ في الصباح.!
وانقلبتُ على جنبي، وتساءلت في نفسي:
( تُرى كانت محفظة الفناء تلك ستنفجر حين تلمسها ألسنة اللهب، وتفوت على ترامب شرف إعطاء إشارة الإنطلاق، لو لم توقظني زوجتي.؟)
وأغمضتُ عيني من جديد.!.
- كابوس بامتداد الأرض
- التعليقات