للمرة الأخيرة مُودّعة ، دخلتْ، فانكشف دمعه لامعاً تحت ضوء عمود الشارع الحزين، من الألم بكتْ، من الشوق القادم الذي قبل أن يَحُل أحلَّته، من ليالي سمر صيفية طبع الودّ فيها لون الفرح، من وعود قطعاها وقطّعاها رامييْن بقاياها على أرضية الغرفة، بسذاجة امرأة قالت:
-“لا تتركني”.
وبحزم رجل أجاب:
-“أبــــــــــــــــــــــــداً”.
فنَسيتْ بعدها رجاءها، ونقض هو وعدَه لها. وحده الشارع البارد الحزين تَبكيه الذكريات، وبعض من حب وَأدته أنانية الكرامة.
ظل كما هو صامدا، توقعَتْ أن يلتفت، أن يلُمّ قصاصات الذكريات الجميلة التي تراقصت، ثم تناثرت تحت قدميه.
-” ليتَه يلتفت”.قالت. “سأركض إليه، سأضمّ شوقه”.
رداء الذاكرة على صدره يثقُل ويثقل كلّما بلّله مطر الشّوق، ورغم ذلك كابر يرمي الخطى، يجرّ خلفه الرداء، تتمرّغ حواشيه السفلى، تُمَسّح الإسفلت، يرتدُّ إليه كبرياؤه، عازما ألاّ يلتفت…فلا وقت.
إذ ذاك ارتجفت يداها، سقطت منها الزهرة المختبئة خلف ظهرها الذي بدأ ينحني كلما رأته يتابع في كبرياء خطاه. تخور قدماها، لا يزال بهذا القلب البائس شيء منه، من حبّه، من حنينه، من ذاكرته، ولا يزال هو يجر الرداء هاربا به نحو امرأة أخرى لا تشبهها.
بيدها على الوردة الحمراء تضغط، بلّلها المطر، تنظر…تنتظر، وهو أبدا لا ينظر، يعلم أنها حبّه وكل شيء جميل بحياته رغم الألم، وباسم الكبرياء، يكابر، يرفض أن ينظر حتى لا يهين كرامته، وحده قلبها هناك، بهدوء… يتشظى… ينكسر…
خلفها كان المذبوح يستغيث، يرقب ذبول الوردة بيدها، يروم التقاطها، يتتبع نسيما منها، همس متوجعا،لم تنتبه، وحده الهارب بالرداء يشغلها، ووحده المذبوح بحبها في صمت يتذرّى…ينكسر.

أضف تعليقاً