” كريمة ” في السابعة عشر من عمرها؛ لها وجه مستدير كالقمر في تمامه ؛ وعينان تموجان بالزرقة تحت شعر كستنائي يحيط بالوجه وينسدل على الأكتاف، تتكلم فيرن صوتها كأوتار الكمان بأنفها الدقيق من بين شفتين رقيقتين كأوراق الورد ،يعلن جسمها النحيل عن غنى في الموارد والتضاريس،وعن عناية واهتمام في اختيار أجمل الثياب المستوردة، وأغلاها؛ ولِمََ لا وهي وحيدة أبويها، وقرة عينهم
***
في نصف بيت طولي خلف بقالة أبيها تعيش؛ وعمها يسكن النصف الآخر مع زوجته وابنه.. الأخوان على خصام دائم، وتنافس في جمع الأموال، وقلة في الإنجاب..
كنت أصرف مقرر التموين الشهري لأسرتنا من بقالة ” أم كريمة” هكذا اشتهرت البقالة بالزوجة لا بالزوج.
لم تكن تتركني أم كريمة في حالي كلما رأتني خارجا من بيت الأستاذة ” رأفت ” بعد تدريس أبنائها.. نادتني أم كريمة المكتنزة شحما ولحما عكس زوجها تماما.. أجلستني على كرسي خشبي وقدمت باردا من الثلاجة وهي تقول: عندي لك درس.. وتركتني ودخلت البيت وعادت ومعها كريمة وقدمتها: تلميذتك يا أستاذ.
نظرت للتلميذة مبهورا بجمالها وقوامها وقلت: أنا لا أدرس ثانوي.. قريبا إن شاء الله.
قالت الأم حزينة: ثانوي إيه يا أستاذ.. كريمة لاتقرأ ولا تكتب.. لم تكمل تعليمها بسبب الهجرة والدلع..
وافقت فورا ولم أنتبه للأسباب ولا لشيء آخر ،ولمحتها سعيدة تكاد تطير فرحا.
على مدى عام أشبعتني كريمة غناء لكبار المطربين والمطربات، وتمثيلا لحركات مشاهر التمثيل المصري والعربي؛ ولا عجب فقد كانت حريصة على دخول السينما كل خميس مع امرأة عمها وبعض الصديقات.
كانت تتقدم ببطء في الدراسة وبسرعة في العلاقة البعيدة تماما عن علاقة تلميذة بمدرسها.. غنتني آخر خر حصة “خايف أقول اللي في قلبي ” ومدت يدها من تحت الطاولة وأمسكت ركبتي .. ارتعشتُ،ونظرت في عينيها، وأمسكت يدها الممدودة، وتركتها برغبة منها تنام بين راحتي كالعصفور الوديع.
حكيت لأمي؛ ابتسمتْ ،ولما عرفت أنهم من المهجرين منذ العدوان الثلاثي على مدن القناة حذرتني قائلة: ” خللي بالك السواحلية شطار في الصيد ،ورمي الشبك “….
****
تعلمت كريمة القراءة والكتابة والجمع والطرح، وعانت كثير في الضرب والقسمة..
أول ماكتبتْ بخط النسخ ،كتبتْ لي ” أحبك ”
وآخر ما أمليت عليها: الأستاذ حمام طار.
ولم أعد للدرس وتركتها تعاني ” القسمة “….
- كريمة وأنا
- التعليقات

