النص للكاتب مهاب حسين مصطفى
النص على مجلة لملمة من هنا
القراءة
في ظل نضوجها السريع، والذي ارجعناه في بعض مناحيه، إلى ذلك التشابك المحتد بينها وبين واقعها ومعيشها، وجدت القصة القصيرة جدا نفسها في موقع العين الراصدة لاعتلالات المجتمع والباحثة عن علاج لأدوائه المزمنة، عبر جرعة مركزة سريعة المفعول. يساعدها في ذلك تكثيفها وسرعة انتقالها وتداولها، والمثال الأثير لدي، والذي أحب دائما استحضاره أثناء قراءاتي لنصوص هذا الجنس، هو الانخراط الواعي الذي عبرت عنه القصة القصيرة جدا في حراكات مجتمعاتنا من خلال المواكبة الحثيثة للمبدعات والمبدعين، بغض النظر عن المنطلقات والمخرجات، والتي جعلتنا في عين الحدث، وكشفت مستويات العلاقات الاجتماعية وتدافع الأفكار والتصورات والحساسيات داخل المجتمع الواحد، بل كشفت عن نظرتنا لذواتنا وللآخر. في هذا الإطار، رمت قراءة نص “فراسة” للمبدع المصري الأنيق مهاب حسين مصطفى.
يقذفنا العنوان إلى ماضينا الممتد فينا، “فراسة”، إلى ممارسة شذبها العرب ووضعوها في مصاف العلم الذي عليه يبنون أحكامهم وقراراتهم، سواء نحو الأشخاص، أو في تقييم مواقفهم ومعادنهم. فالفراسة خبرة وفطنة وإدراك لبواطن الأمور، في الحرب والسلم، للحل والترحال..
خبرة أثبتت الخبرات أنها تخيب أكثر مما تصدق، وأن أصحابها اول ضحاياه: ألم تحب فراسة عنترة في قومه الذين لم يقنعهم دمه المسفوح لأجل نجدتهم وشرفهم، أن نسغ هذا الم واحد يميل من دمائهم؟ وأن لون هذا الدم من حمرة دمائهم؟
وزرقاء اليمامة التي صدقت قومها وأخلصت لهم ، ألم يصلبوها على نُصُب التكذيب والاستكانة إلى مألوف حواسهم ومنطقهم الذي لا يريم عن إرث ما وجدوا عليه من سبقهم؟
فراسة كاذبة خاطئة تدين مقاييسنا للأمور كانت وما تزال، وكأننا استمرأنا تكرار اخطائنا وسقطاتنا. فتخاذُل القوم مستمر كما هو مستمر تخاذُل حماتنا ورعاتنا ! ومجتمعاتنا ما تزال مجتمعات إماء وعبيد، يرتع فيها الأسياد حتى إذا ما ادلهم ليلهم اصطلوا من حَر دماء عنترة الرخيصة!. عنترة الذي توهم بدوره أن الحرية على مرمى ثورة أو حراك فخاض الوغى( وقد أخطأت فراسة قلبه الطيب الذي لم يكن ذاك الدليل الثقة!)، ليعود مثخنا بدم لم يكن سوى دمه ( أو دم أشقائه، لا فرق). عاد مثخنا لكن أيضا حاملا معه صكَ حرية جديدا ومستحقا: إعلان انتهاء زمن الفراسة والتكهن والحدوس غير المستندة إلى معايير الواقع والفعل والميدان، ( فراسة عنترة هذه المرة تنبع من تجربة ميدانية معيشة خاض وغاها واكتوى بمجريات أمورها المتقلبة): زرقاء اليمامة أضحت عمياء! لكن عنترة أصبح أكثر تبصرا وأكثر حرية ونضجا( وهنا نشير إلى حرفية مبدع النص وحسن اختياره لمعجمه اللغوي الموظف بانسيابية عالية، مثل استعماله لفعل هتف بدلا من ناح: ففي الهتاف قوة وإصرار وثبات ونصر …، وفيه إشارة مرجعية إلى واقع الحراكات الشعبية في مجتمعنا العربي الممتد). زالت أسطورة زرقاء اليمامة، وولدت أسطورة عنترة الحرية والشعوب الجديدة الحالمة بمعنى جديد لحرية طريقها خوض الوغى وأسقاط الأسياد العبيد وإزالة الغشاوة والزيف.
هنيئا لك مبدعنا مهاب حسين مصطفى بهذا النص الأنيق.