حصل ع.ص على الإجازة في أواخر التسعينيات،انخرط في سلك العطالة المفروضة بوطن لايرحم اجتماعيا المعطلين ولا غيرهم من الفئات الهشة سواء المرضى أمراض خطيرة أو المشردين في الأزقة حيث لا مأوى ولا طعام روائحهم بالمدن الكبرى والصغرى تزكم الأنفاس ولسان الحكومات يتمتم ” هذا جزاء ماصنعتم بأنفسكم”
صاحبنا قلب نظره هنا وهناك من أجل الانخراط في سلك التعليم أو الوظيفة العمومية لكن كل الأبواب كانت موصدة بإحكام وحارسها يقظ من أي تسلل إلا ماكان من تسللات ” المحسوبية ”
تجلد صاحبنا وقصد السوق الكبير بالدار البيضاء وانخرط في البحث عن اي عمل حتى وجد من ساعده في الطلاء الأولي لأخشاب النجارة بعد قطعها من أصلها.
قنع صاحبنا بهذا العمل وبثمنه الزهيد ليتناسى ايام الكد والاجتهاد من الابتدائي إلى الجامعي نهارا وليلا خريفا وشتاء وربيعا، ثم قنع بأنه أصبح من فئات العمال يتكلم بكلامهم ويفكر بطريقتهم وتناول يده طعامهم حتى يندمج معهم.
ذات مساء وقف عليه عون خدمة بإدارة عمومية يطلب ملفه من أجل العمل ويتعين عليه أن يحضر وعلى عجل.
كحل السهر عيناه غير مصدق أن فرج الله قد احاطه، استشعر راحة نفسية وفرحة عارمة اخترقت خلاياه حتى أعمق مكون لها، وهو كذلك قفز إلى ذهنه بغيته المجنونة التي تروم الظفر بحبه الصامت المتبادل بينه وبين بنت الجيران، وكيف كان يتخوف من أن يخطبها أحد ويحرم وجهها الصبوح وإلى الأبد، بين الفينة والأخرى وخلال هذه السعادة الطافحة من كيانه قبله يكاد يقتلع من بين جنبيه خوفا من أن يكون هذا مجرد وهم أو خطأ قد يعيده إلى جحيم المعاناة التي لم يحلم بها يوما ولم يعهدها.
حضر الموظف الجديد ببدلة أنيقة وكأنه عريس في ليلته لولا يداه الملطختان بالطلاء البني القاتم وقد حاول إزالته بكل الطرق والوسائل لكن دون جدوى.
كانت مهمته تتمثل في التدريس وبثمن بخس أيضا لكنه لم يناقش الراتب خوفا من الاستغناء عنه وصبر صاحبنا بين شعوره بالسعادة واستشعاره الغبن لكنه على أي حال اعتبرها وضعية أنقذته من عوالم ليست هي عوالمه التي حلم بها.
ظل للسنوات يشغل مهمة التدريس حتى شاء الله عزوجل أن يعين موظفا بعد عمل جاد في أداء مهمته المقدسة وكم كانت فرحة صاحبنا بهذا التعيين الذي أعاد له الاعتبار ووضعه في المكان المناسب.
سارع إلى نصفه الذي أحب وسارع بالزواج منها دون فاصل الخطبة وقد اشتاق للسكن وحياة الاستقرار الزوجي.
انخرط صاحبنا في عمله الجديد بكل تفان وهو يتذكر مبتدأ عمله في السوق الكبير حيث ظن أن هذا السوق سوف يبتلعه إلى ٱخر العمر.
وتمر الأيام سراعا وقد رضي صاحبنا بعمله وقنع براتبه واعتبر هذا ٱخر محطة عملية في مساره الإداري بحكم شهادته غير العليا لكنه فوجئ بتعيينه ” مسؤولا ” نعم مسؤول لينتقل إلى وضع أكثر سيادة وحضور وطني.
ولم يعلم المسؤول الجديد وقد ابتهج أيم ابتهاج أنه قد وضع رأسه بين فكي تمساح نائم فإما أن يشتغل بأمانة حتى يسل رأسه بأمان من بين فكيه أو أن يستدرجه الشيطان والنفس الأمارة بالسوء المفعمة بالطمع والجشع نحو بلوغ القمة فيخون الأمانة حين يعبث بلسان التمساح ودغدغته ليوقظه فيقوم هذا الأخير بحركة سريعة فجائية ليهشم رأسه ثم يبلعه بلعا دون رحمة أو شفقة.
- كفاح
- التعليقات