تدلت الأعناق، شعر الجميع أنهم يقضون لحظات غامضة، لابد من الشراب قبل كل شيء، حتى تبتل ألسنتهم التي تخشبت من الجفاف، فأصابها الخرس.. الظلام يقضي على كلمات السيد الذي اعتلى عرش المحنة، فيبدد كل شيء في عقله، يفكر هل ظل المكان فارغا ، لماذا لاىيسمع إلا التثاؤب يحلق كطائر الغرنوق، أراد أن يجمع نفسه ويخرج قبل أن تحاصره أسئلة الصحفيين الثقيلة الدم، لكن فجأة تعالت الأصوات المتدافعة يبحثون عن مخرج، لم يجد زمرته كي يحملونه كالمرة السابقة ويفرون به إلى قاعة مسيجة مكيفة مهيأة لرغباته، حتى طالته صفعة على وجهه لم تكف متتاليتها إلى أن خبأ نفسه تحت جسد ما، شعر بالعطش والحرارة والمرارة ترتفع وتتغلب على مقاومته، دفع ما شعر به من تكتل، ظل يدفع ويدفع متحسسا وجهه خوفا من الصفعات المتتالية، كانت الأوراق مبعثرة، جزء من الأحذية متناثر ، ربطات العنق الحمراء والصفراء، والسوداء صارت مناديلا لمسح الوجوه والعيون ، تبعثرت هي الأخرى، جاء الضوء فجأة ، لمح الرجل الطويل خلفه يريد النيل منه، انقطع النور، هرع إلى أول فجوة ظهرت عليه، صفعه أحدهم، ثم دفعه للداخل، مازالت الأصوات تتراكم في زوايا المكان، خضع للزحام، عد نفسه واحدا منهم، أمسك في ظهر أحدهم حتى لا يضيع نفسه كالمرة السابقة ، ظل يمشي بهدوء يتحسس المكان ، هدأت الأصوات، أشعل أحدهم فلاش الهاتف، التقت عيناهما، أبرحه الأخرس الطويل ضربا وصفعا
استفاق من نومه، هرع إلى أقرب نقطة، قدم استقالته، مزق صوره التي تعترض منصات الترشيح، في طريق عودته، رأى الأخرس الطويل يعانقه ويكلمه بلغة الإشارة، أخرج من داخل ثيابه ملفا أزرق اللون باهتا، كانت بداخله شهادات مهترئة منذ أعوام طويلة، وصورته على يمين الملف بقميص ذي رقبة طويلة وشعر أسود فاحم بمفرق على شمال رأسه، وعينين واسعتين مدورتين ، قال في نفسه هذه منذ السبعينيات..! شهادة ميلاد وحسن السيرة والسلوك، والأهم رخصة قيادة صفراء باهت لونها…قال في نفسه ما علاقتها…
أراد أن يثبت للأخرس أنه استقال، فلم يمنحه لحظة شهقة حتى أسعفه بصفعة قوية أردته كسيرا…