..ضِقتُ بالمقهى، وضاق بي المقهى. كما ضقت بالبيت، وضاق بي البيت..وبالطريق بينهما.! من بِركة منزلية، الى اخرى في المقهى، بينهما نفس الروتين الراكد، ونفس السباحة الثقيلة المملة على سطحهما اللزج، كل يوم.! لا احتاج ان أبرمج جدولا للغد، ايامي كلها مبرمجة في يوم واحد تتغير اسماؤه كجسد تتغير ثيابه. حتى اني استطيع ان استغني عن اسماء الايام والشهور وارقام السنوات، يكفي ان تشرق الشمس ويسدل الليل، في تعاقبهما، لتنضج رمانة عمر تتشابه حبيباته.! نفس الصباح، باب يُفتح على الظلام، كل نهار؛ نفس المساء، باب يفتح على العراء، كل ليلة.! نفس الاحتراق في هشيم الايام من حصاد عمر غصبه زمن جاف، وإلا لما هذا الدخان المتصاعد مني كل يوم، في البيت او في المقهى.!؟ لا دخان بلا نار.! النار هناك، في الداخل، تحت تِبنِ الصدر.! في المقهى احترق، في البيت احترق، بينهما تحترق خطاي..اعرف اني ذاهب لاحترق، عائد لأحترق، واشعل الولاعة. حتى وإن كان اليوم ماطرا لن يبلل معطف احتراقي.! والويل للصباح الذي يطل على ولاعتي عاطلة دون فتيلة من سجارة.! لقد وجدتُ نفسي كانونا على ناره يُنضِج الزمن خبز ايامه، فتنفستُ دخانا.! لم اختر ان تتناثر خطاي ورائي، كل يوم، أعقابا ورمادا، بين البيت والمقهى.في البدء، كان هذا الطريق محطة بانتظار طريق الاحلام. طال الانتظار..صارت المحطة ملاذا، والهروب بين البيت والمقهى سلوكا مألوفا امام انتظار خائب يتجدد كل يوم، وفي مدى البصر العطشان اختلط افق طريق الاحلام بسراب الاوهام.! وصارت ، كل يوم، تسطع شمس حقيقة تقول لي : انت عالة، فلا استطيع سوى ان اشعل الولاعة في سجارة من نفاية كرامة تسقط كورقة مهملة كل يوم.! فلا مذاق القهوة، ولامذاق طبيخ امي، بقادران على نفض طعم الرماد عن لساني. كما لاضجيج المقهى ، ولاطاولة الاكل في بيت العائلة، ينسياني لحظةً اني لاجئ في خيمة من علبة تبغ. ولا الوجوه الأليفة في المقهى، ولا الكلمات المتوقعة قبل نطقها في البيت، يلطفان غربتي على ارض تعرف خطواتي.! وهواء قطبي يهب على العلاقات، سواء في البيت او المقهى، يجمدها، لتصير باردة، زلقة.! صار الناس كقطيع من القنافذ، كل واحد يلوذ بقوقعة من شوك، وحتى داخل العائلة الواحدة لايعدو الامر كونه تجمعا عائليا من قنافذ لاتستطيع ان تعانق بعضها.! لهذا انزويت في غرفتي. اغلقت الباب دون افراد عائلتي.. وضعت على راسي شعر اسمي المستعار، وعلى وجهي قناعا من صورتي المستعارة، وصرت جاهزا للانتقال الى دنيا اخرى أرحب، تتيح لي التنكر لملامحي الموشومة بتجاعيد من سخام، وارتداء اقنعة من ملامح احلام مجهضة. ومن يدري قد اصادف فتاة جميلة شقراء، تجعلني ارسم صورة شقراء لنفسي، وانسى صورة الكانون التي احملها عني. لهذا شغلت الهاتف، وضغطت ببصمتي على باب بيتي في دنيا فايسبوكية رحبة كالسماء. لكنه لم ينفتح هذه المرة.!
ظل مغلقا، وعليه كتابة تقول :
– اسمك.
– رقم هاتفك او بريدك الالكتروني.
– ادخل كلمة السر.
اندفعت بصمتي الى : ( هل نسيت كلمة السر)، حالما وقعت عليها عيني. لكن دون جدوى.. كتبت اسمي المستعار، ورقم هاتفي..دون جدوى ايضا.! تبا لذاكرتي المثقوبة وحيلتي المحدودة، نسيت تماما عنوان بريدي الالكتروني وكلمة السر، وتأكدتُ أن بيتي قرصن، وبابه لن يفتح امام بصمتي، وان لامفر من ليلة في العراء، على شارع افتراضي.!

أضف تعليقاً