كان هناك في الحي، بجانب الشارع متجر صغير للكتب والجرائد، كنت أعرف البائع، وأعرف بالخصوص ولده، الذي كان ينوب على أبيه بين الفينة والأخرى، كان هذا الولد يدرس في المدرسة التي كنت أنا الآخر فيها، نشأت صداقة بيني وبينه، كنا ما زلنا أطفالا..
قمت بزيارات متعددة لهذا الطفل وهو في متجر أبيه، لقد كنت أتسلى معه كثيرا وهو في المتجر، كان دائما يناولني جريدة أو مجلة لقراءة بعض المواضيع، كان هو الآخر يقرأ كثيرا، لقد تعود على ذلك وهو ما يزال صغيرا، حتى أصبحت القراءة هوايته المفضلة..
لقد استفاد هذا الولد من زخم كل المواضيع الذي يتناولها وهو يقرأ دائما، كان متميزا في تحصيله الدراسي. أصبحت لغته تتحسن يوما بعد يوم، وكان أثر المطالعة قد جعل أسلوب تعابيره غاية في الجمال والبلاغة..
وفي العطل المدرسية، تراه، هذا البائع الصغير للكتب، دائما في المتجر يقرأ ويبيع، حتى الزبناء كان يستهويهم هذا الطفل البريء، أنه بالفعل طفل مميز، ومثقف إلى حد ما، وهو ما يزال مقبلا على الحياة..
ومع مرور الأيام والسنوات وهو على حاله، حتى وهو في التعليم العالي، كان يتردد كثيرا على المتجر، كنت أتنبأ له بمستقبل زاهر في الميادين الثقافية والكتابية…
لقد نال شهادته الجامعية، ودخل ميدان التدريس، وكان في الأوقات الفارغة يزور متجر أبيه، ليشاركه في مهامه ويقرأ بعض الكتب.
فأصبح بعد هذا الجهد الطويل يكتب المقالات في الصحف والجرائد، و يبيع الجرائد أيضا..
سؤالي هنا:
فمن الموزع الحقيقي هنا؟
-هل هو الكاتب؟
-أم الشخص الذي في المتجر؟
مادام الإثنين معا يفعلان نفس الشيء، ألا وهو التوزيع، ولا داعي أن نتطرق للأجر المحصل من جراء كلتي العمليات الاثنتين: الكتابة.. والتوزيع.
قد أقول، أنا هنا في شخص هذا الصديق، أنه كان موزعا وأصبح موزعا من نوع آخر!
أو بعبارة أوضح:
-لقد كان يبيع الكتب..
-وأصبح يؤلف الكتب..
الواحد من هؤلاء يكمل الآخر، وصديقي فيه الإثنين معا!
لقد حافظ صديقي هذا على إعطاء المعرفة للقراء، فمن إعطائهم إياها عبر وسيلة التوزيع، تحول لإعطائهم المعرفة عن طريق التأليف، أو إذا صح التعبير اشتركت فيه الوسيلتين الاثنتين..
لقد فهم صديقنا هذا القولة المشهورة فهما عميقا:
كل الطرق تؤدي إلى روما
من وجهة نظري، أقول أن هذا الإنسان له أجران!
-أجر على الكتابة..
-وأجر على توزيعها..
لقد أدى دوره، في هذه الدنيا، على أحسن ما يرام هذا الصدق العزيز…

أضف تعليقاً