المكان .. الرصيف المحاذي لشاطئ ميناء غزة .. هو ليس ميناءً تجاريًّا يستقبلُ السفن والبضائع ولا حتّى المسافرين .. عبارة عن لسانٍ من التراب والصخور وكومات المنازل التي خلّفتها الحروب الغادرة على غزّة .. لسانٌ يمتدُّ مئات الامتار إلى الداخل ويضيق تدريجيّا .. ثمّ يلتفُّ نحو اليمينِ على شكلِ قوسٍ ليصنعٙ بركةً كبيرةً تتزاحمُ فيها مراكبُ الصيادين وقواربُهم .. تصطفُّ على يمينه بعضُ الاستراحات ومحلات البقالة وبيع المرطّبات .. هو ملتقى العائلات والأفراد في الربيع والصيف .. وهو الشريان الرئيسي الذي يغذّي شاطئٙ غزة .. والذي يمثّل الرئة اليمنى للقطاع .. صعد بعينه إلى التلّة التي تحرسُ الميناء صباحٙ مساءٙ ، فإذا هي المكان الذي ينشُدُه .. كان يأتي قبل عقودٍ هو وابن الجيران للبحث عن النقودِ القديمةِ والعملات النادرة .. ( السحاتيت ). لا يدري لماذا كانوا يسموّنها السحاتيت .. وهل للاسم دلالة على القدم السحيق فهذه العملات لها آلاف السنين وهي تُدِرّ على جامعيها ما يشتهون .. كومات الرمال هذه تحتضنُ في أحشائها كنوزًا جمّة .. كشفت الرياحُ وأيدي العابثين عن أرضيّة من الفسيفساء تمثل مجموعة من الحيوانات الأليفة كالغزلان .. والمفترسة كالنمور ، وقد صاغتها يد فنانين عظام .. شاهد هذه اللوحة الفنية الملونة والساحرة بأمّ عينيه عشرات المرّات كلّما أفلس وعاد يبحث عن بعض الفتات من الكنز المبعثر في الرمال .. لم يكن يدري أنّه يبيع تاريخه وجزءًا من حضارة بلاده..
لكنّها الحاجة التى أورثهم إياها طردهم من بلادهم وضياع شقاء السنين .. بعد أعوام انقٙضّت عيون الاحتلال تلملمُ ما طاب لها من هذا التراث وتنقلُه إلى أماكن احتلتها وطردت أهلٙها منها بكلّ وحشيّةٍ وقسوة ؛ بحجّة أنّها أرضها التاريخيّة .. أرض الهيكل المزعوم الذي لا وجود له إلّا في أطماعهم . قال بعض المحقّقين أنّ هذه اللوحات الفنية هي أرضية قصرٍ بنته الملكةُ الرومانيّة القديسة هيلانة . والدة الملك قسطنطين الكبير .. وكانت الألسن تتناقل خبرّا مفاده أنّ سردابًا يربط بين هذا القصر وبين المسجد العمري الكبير الذي يتربّع شمال حيّ الزيتون على اليد اليسرى لشارع عمر المختار وهو ينحدرُ تجاه منطقة الشجاعية التي قدّمت كأخواتها نماذج من البطولة والتضحية والفداء .. كان يتفلّتُ إلى أسماعه وهو على أعتاب الشباب أنّ أرضٙ الشارع بالقرب من بلديةِ غزّة هاشم بجوار البنك العربيّ قد غارت وابتلعها سرداب الملكة هيلانة .. كان أحيانًا يذهبُ إلى الجامع الكبير بدافع الصلاة والتحقّقٙ من أنّ مياهٙ الصرف فيه ليس لها خطوط ، وإنّما هي تتدفّق في السرداب المتّوجّه ناحية البحر بآلاف الأمتار .. بالرغم من صلواته المتكرّرة إلّا أنّه لم يلحظ شيئًا يؤكّد أمر السرداب . وما زال كلّما ألقت به الرحالُ للصلاة في هذا المسجد العتيق الذي يفوح بعبق التاريخ حانت منه التفاتةٌ ناحيةٙ المتوضّأ ؛ ففرّٙ به الخيال ناحية تلك اللحظات ..

أضف تعليقاً