على أثر الجاحظ والعقّاد…

أكثر ما يلفت انتباهك في النّقد، وأنت تتصفّح كتابا لواحد من جهابذته، من أمثال الجاحظ قديما والعقاد حديثا، هو طبعهما البشري في تأويل الظواهر الأدبيّة، وتحليلها، وحسن صياغتهما للأفكار التي تثير فضولهما المعرفي ومراجعهما التراثية والحديثة، أمّا الجاحظ، فلا تفوته الأشياء الصغيرة والكبيرة، فهو يمسكها بعقله المتّزن وخياله الواسع، يتصوّر المواقف والأحداث وما يتلقاه منها بأذن ذكيّة، ما قاله النّص وما قاله العرب بأسلوب المعلّم الفطن بعيدا عما تحدّثه عنه نفسه، في تعليقه عن الأشخاص والرّجال والملوك وأحوال النّاس، مما رآه أو سمعه، يحدّثك عن اللّغة فلا يُطمعك في امتلاك ناصيّتها إلاّ إذا كنت تملك من مفاتيح التعبير والتلقي الصّحيح ما يجعلك تدرك الغاية بالتصوير أو بالإشارة، خذ مثلا، كتابه العظيم “البيان والتبيين” يثير فيك فضول المتعلمين المختلفين، فمنهم من يميل إلى اللّغة، ومنهم من تستهويه البلاغة، ومنهم من تثيره النّكتة والسّخريّة، فلا عجب أن تستمر في قراءة كتابه بلا توقّف ﻹدراكه ما يحتاجه المتلقي، ما يفيده ويسعده ومالا يريده فيتجنّبه، في اعتقادي أنّ الجاحظ من القلّة التي فهمت علميا ومنهجيا ما يريده المتلقي من النّاقد وما لا يريده (قراءة في النّفس والمدارك)، في تعريفه بالمجهول أو الغامض أو العميق في اللّغة أو في الفلسفة وحتى في عالم الكائنات، إنّنا لا نطمع في تحصيل المفاهيم والمعارف بجهد الكسول والنّائم وشبه القارئ؟؟، وقد بذل الجاحظ من الجهد والتّضحية ما لم نره عند غيره من أبناء عصره أو عصرنا، إلاّ ما ندر، يأخذ بيدك وعقلك ونفسك ولا يتركك تغادر من دون أثر…وأمّا العقاد، فالمسألة تتعلّق برصيده المعرفي واطّلاعه الواسع بخصائص النّفس من الوجهة الطبيعيّة والاجتماعية والتاريخية، فقد تعرّض للّغة أيضا، ونافح عنها كما ينافح المرء عن الشّرف والنّسب، ووقف لمظاهر الفساد اللّغوي بالمرصاد، وخصّ في كتاباته المختلفة وفي كثير من كتبه ما يدافع به عن اللّغة العربيّة، مستعينا بالشّريف والمتعالي من اللّفظ والمعنى، كما قال علماء اللّغة والبلاغة والأدب، مهاجما فئة واسعة من القرّاء، الذين استفزوه فيما يبدونه من مدركات تافهة وسطحية في فهم مقامات اللّغة وعمقها، من المدّعين والمبتدعين وأعداء اللسان، فقد خصّ كثيرا منها في كتابه “اللّغة الشّاعرة” يتحدّث عن اللّغة/الكائن، إذ تحوّل في هذا الكتاب وغيره من البحوث والدّراسات إلى لغويّ عارف وشاعر متذوّق، يدرك أسرار اللّغة وناصيتها العربيّة، في مختلف مستوياتها، الصرفية والنحوية والإيقاعية أيضا؛ انتقد في هذه الكتب، النّاطقين والكاتبين، والمبدعين، من أهلها ومن غيرهم على حدّ سواء، متّهما إيّاهم بالتقصير والإدّعاء، لأنّه اكتشف حاجة هؤلاء إلى تعلّم اللّغة العربية عن صدق وعن بصيرة، ونقلا عن مصادرها ومراجعها التي أسّسها كبار العلماء القدامى الذين قسّموا منطق اللّغة من حيث هي وعاء وشعور وعلم، ومن حيث طبيعتها وعلومها وما يقرّب إليها، متجاهلا ما يكتبه خصومها، من قبل ومن بعد، ناصحا القرّاء الثرثارين إلى مزيد من اليقين والتيقّن والتّركيز، لأنّهم يكتون لأنفسهم لا لغيرهم.
فأن تنتقد ظاهرة في اللّغة والمعرفة فأنت مجبر على تعلّم علومها من مصادرها…والاطّلاع على الكتب الناضجة…وأن تدافع عن هذا أو ذاك، فهو من قبيل الحقّ والإنصاف لأمثال الجاحظ والعقّاد، عملا بأثرهما لا تقليدا لطباعهما، وهاهنا يحقّ لنا أن نقول : إنّ العقاد كان تلميذا مخلصا للجاحظ في ما ذهب إليه في تفسير النّقد وممارسته لا مقلّدا لطباعه، فللعقّاد طباعه وللجاحظ طباعه أيضا…

أضف تعليقاً