ركل العلبة المعدنية الفارغة الملقاة على الطريق، طارت،، سقطت على مبعدة أمتار، أسرع نحوها، ركلها ثانية، أحدثت قعقة مدوية كسرت طوق الصمت، فرح، تبسم، أحس بنشوة تسري في جسده، صوت ينعشه، أي صوت يبدد، السكون المخيف، في هذا الحي الغني بفلله وبيوته الفارهة..
حتى، إرتطام القناني في الشوال الثقيل الذي يحمله، تأنسه، يتعمد أحيانا تحريك بدنه ليسمع تلك القعقعة، يغني مواويلاً لايفهم، كلماتها، هي أصوات والسلام،، أنيس يرافقه، في هذه الشوارع الصامتة، الموحشة، وهو ينوء بحمل شوال الخام الخشن الممتليء الى نصفه بالقناني، الفارغة، والنعل الاسفنجية المستهلكة..
ينتابه حزن وابتئاس لايعرف مصدرهما كلما وصل الى هذا المكان، ربما هو الصمت الارستقراطي في الشوارع العريضة الخالية من الناس، قصور لاروح فيها، قلبه يهفو الى الازقة الفقيرة بصخب أهلها، وحميمية بيوتها البسيطة الدافئة..
بدل موضع الشوال من كتفه الايسر الى كتفهِ الايمن، طرحه على الارض لبرهة، ثم أعاد حمله، تؤلمه مواضع القناني الزجاجية الفارغة حينما تلامس عظام ظهره،، يمشي بطريقة تضمن له الحد الادنى لإحتكاك محتويات الكيس بجسده الصغير، طريقة علمته إياها التجربة والسير المضني، في الأزقة والشوارع الطويلة..
رفع العلبة المعدنية من الأرض، أنزل الكيس الثقيل عن ظهره، التصق بجدار أحدى البيوت الكبيرة لينعم ببقايا ظل يكاد ينحسر، تمعن في العلبة، تهجأ الحروف المتبقية على، ورق غلافها (ممم ععع ججج) معجون الطماطة، فرح عندما أهتدى لحلها، لايتذكر متى ذهب آخر مرة المدرسة..
رفع العلبة وقربها من فمه وراح يغني، منتشياً برجع الصدى الذي أضفى على صوته حلاوة وعذوبة..
نسي أن الضجيج، محظور هنا، ونسي الوعيد إن هو عاد ودخل هذا الشارع!!
دَسَّ العلبة في الشوال، واخرج من جيبه كيس نايلون، عليه أن يستغل هذه الظهيرة، ويملئ الكيس بالفاكهة المتدلية على أكتاف الاسيجة العالية..
إنتقى شجرة تفاح وارفة، أدنى الشوال الكبير من السياج، صعد فوقه، قطف برتقالة دانية، دسها بفرح في الكيس، هذه نصيب أخي الصغير، قالها في سره مبتسماً، عليه أن يقطف أربعة أخر، لأختيه وامه وواحدة له..
لكن الأغصان بعيدة، لا تطالها يده، عليه أن يتسلق السياج ليصل اليها، تلفت الى كل الجهات، مازال السكون مطبق، والشوارع خاوية، الشجرة حجبت عنه النافذة التي وقف خلف ستارتها، شبح أنسان، إمتدت يد الشبح، الى الهاتف، ضغطت على، الازرار..
يد الصغير تمتد الى الغصن، أمال جذعه الى الامام ليصل الى التفاحة،، يده الثانية تتشبث بغصن واهٍ، خشية السقوط، لامسها بأطراف أصابعه، مسافة صغيرة، صغيرة، وتصبح في يده..
يد الشبح خلف الستارة تعيد سماعة الهاتف الى مكانها، بعد مكالمة مقتضبة..
مسافة صغيرة، صغيرة، بحجم عقدة الاصبع ويقطفها، لم يعد هناك ما يعينه على الاستطالة بعد وقوفه على اطراف اصابعه التي بالكاد تلامس حواف السور، الغصن الذي يستند عليه يئز، اصبحت في يده، الجسد يندفع الى الامام، الغصن ينشرخ، قطفها، سقطت، سقط…
السور عال، عال، كأنه جدار بئر لاقرارة له، تشبث بساق الشجرة، هي الاخرى بدت عالية وأغصانها لاتطال..
ركض في كل الاتجاهات بلاوعي، اراد أن يصرخ، يبكي، لكن الصوت اختنق في حنجرته، والدموع باتت عصية من هول الموقف، شل تفكيره،، راعه ماهو فيه..
لم يجد حجراً أو خشبة أو أي شيء يعينه على تسلق السور..
إستحضر في لحظات صورة أمه وأخوته، ود لو ان الحرب لم تغيب أباه الى الابد..
ستائر النافذة تهتز، يتوارى الشبح المختبيء خلفها..
الارض تموج، الحديقة تدور، الاشجار تدور، أحس بوهن في ساقيه، ماعادتا تقويان على حمله، سقط على الأرض..
يد دافئة تلامس وجهه، صوت كصوت أمه يناديه، لم يكن حالماً، فالكيس المليء بالتفاح في يده، والدينار الورقي في جيبه، وإبتسامة العجوز الدامعة، تشيعه الى آخر الطريق..

أضف تعليقاً