الفصل الثاني :
أنواع الرواية :
في العصر الحديث تتزايد مسميات الرواية باتساع الرؤى وتطور العلوم والمعارف في الحياة الإنسانية، لأن الرواية تتيح للكاتب أن يكتب بشكل حر نسبيا عن كل الأشياء والأمور التي تخص الحياة والإنسان، وتصنيف الروايات من حيث الأسماء قد يعطينا مجالا كبيرا واسعا، والإمعان في التخصيص من ناحية الاسم، ولكن سنوجز منها الأغلب الأعم الذي كثرت الكتابات فيه، وصنفه النقاد، ونشرح البعض من هذه المسميات بشكل يساعد القارئ والكاتب على التفريق بين الأنواع المختلفة وخصوصيتها وتسميتها، ومنها:
الرواية الواقعية ـ الرواية الرومانسية ـ الرواية التاريخية ـ الرواية السياسية ـ الرواية الوطنية ـ الرواية البوليسية ـ رواية الخيال العلمي .

الرواية الواقعية :
هي نقل واقع كنموذج من الحياة من خلال قصص لأشخاص يعيشون هذا الواقع ، وفي الغالب تحاول تغيير هذا الواقع بشكل يخدم هدف الرواية التي من شأنها إصلاح المجتمع ، وتدعيم قيمه الأخلاقية . من خلال صور إنسانية تصور سلوكياتهم وأفكارهم تتعرض لأزمات داخل الرواية ومحاولة فضها بالشكل الأمثل الواقعي .
ومن الممكن أن تكون الرواية ناقدة للمجتمع ، أو رمزية تحاكي المجتمع بشكل رامز له أبعاده ، أو فلسفية تفلسف الأمور الدائرة في حياة نخبة معينة من الناس أو إسقاط بعدٍ فلسفيا على مجتمع بعينه .

الرواية الرومانسية :
هي رواية تخاطب الوجدان بأسلوب يمس مشاعر وعاطفة المتلقي، ويحسن فيها التراكيب اللغوية عالية البلاغة والذوق، وتغلب عليها قصص الحب والمغامرات العاطفية ، وهي تركز أيضا على العلاقات الاجتماعية بين أبطالها، تصور مثلا الحرمان العاطفي للبطل أوالبطلة، حاجة أيّهما للسعادة المفقودة ، فقد الأمان والبحث عنه ، وهي من خلال هذا تقدم قضايا مهمة في مثل هذه العلاقات الإنسانية بأمثل شكل يدعو إلى المثالية ، ودعم القيم الاجتماعية والدينية ، كما أنها تظهر الشطط الوجداني والعواطف الشاذة في بعض شخوصها للعبرة والمثل .

الرواية التاريخية :
هي رواية تستمد أحداثها من التاريخ، وأغلب شخصياتها واقعية منسوبة للأحداث التاريخية التي تسردها، وهي تكون رامزة لنقل واقع تاريخ، يعد إسقاطا مهما لحدث آني لكشف أسرار واقع معايش، تأريخا للماضي لإثبات صحته وحضوره في الأذهان وتوثيقاً له، وهي تعد تعليماً للأجيال الحديثة لمعرفة حقبة معينة من الزمن، والإطلاع على أحداثها، وشخصياتها البارزة،وهي لا تختلف في تكنيكها وكتاباتها عن أي نوع من أنواع الروايات.

الرواية السياسية :
هي تنقل الواقع السياسي مصحوبا بوجهة نظر، وهذا النوع من الروايات في أغلبه يكون توعية للمواطن، يكشف من بين أحداثه حال البلد والنظام السياسي المتبع مثل : القاهرة 30 ـ الكرنك ـ رجل في بيتي وغيرها الكثير، وهذا النوع لابد وأن يلتزم بالواقعية أمينا في نقل الأحداث، أما وجهة النظر أو التوجيه يكون مشتقا من الأحداث.

الرواية الوطنية :
تدور أحداثها حول الوطن، وترسخ مفاهيم للانتماء والتضحية من أجل الوطن، وتعلي شأنه وقيمته لدى المتلقي من خلال أحداث لبطل أو أشخاص مثلا يحاربون مستعمرا غاشماً، أو شخص فرض عليه الإبعاد والتهجير أو النفي من قبل مستعمر أو نظام حاكم، أو شخص يقاسي ويلات الغربة والابتعاد عن أرض الوطن.
هي تصوّرالمشاعر الوجدانية نحو الوطن، وتجسّده حيا ملموسا.

الرواية البوليسية :
هي من الروايات التي تهتم بعنصر التشويق من خلال أحداثها، تصور تخطيطا لأداء جريمة من خلال شخص أو أشخاص، ويقوم الصراع بينه وبين رجال الشرطة، وتبين مقدار الدهاء والقدرات لكل فريق.
وهي تهتم بتجسيد الصراع بين الخير والشر، وتظهر جوانب الخير بطرق متعددة، وعلى الكفة الأخرى تظهر جوانب الشر بطرق أيضا متعددة، لتلقي نصائح الفضيلة في نفوس القرّاء، وأيضا تجعل من هو على خطأ ويسير في طريق الشر والشيطان أن يقف مع نفسه لحسابها حتى يفيق إلى رشده، ويستحضر عواقب الشر من عقاب في الحياة الدنيا، وساعة الحساب عندما يقابل رب العالمين.

رواية الخيال العلمي :
هذا النوع يشطح بالخيال بشكل يجعل المتلقي يعتمد على عقله ويبحث في العلوم المختلفة قاصدا الابتكار والاختراع، وهذا من خلال تطوير لشيء علمي بشكل خرافي، قد يبعد فيه عن مقتضيات الواقع، أو يذهب بنا لمدينة خيالية بها أشياء خيالية، ويعطي قدرات وصفات للإنسان والحيوان والجمادات أيضا، ومهارات لم تكن موجودة بحال من الأحوال في عالم الواقع.
أي أنه يخلق خلقا جديدا مغايرا عن الواقع أو أنه ليس موجودا بحال من الأحوال في عالم الواقع، أو يستحيل وجوده، أو على العقل تصوره، وبه عنصر التشويق والانجذاب في أحداثه.

نشأة الرواية :
لابد أن نعرف أن أول ظهور للرواية العربية كان في العصر العباسي ، فبالبحث نجد أن ابن المقفع ألف كتاب كليلة ودمنة، والجاحظ عمل كتاب البخلاء، والسيرة لابن هشام، وكتاب ألف ليلة وليلة، ولكن لم تأخذ هذه الكتب شكل الرواية المعروفة بشكلها الأدبي التكنيكي المضبوط، إذ أنه لم يعرف بعد جنس أدبي يسمى بالرواية، وظهرت الرواية بشكلها الأدبي المعروف في أوربا في القرن التاسع عشر،على أيدي مثقفين وكتاب عرب سافروا إلى أوربا وتعلموا فيها ونقلوا عن الغرب، وبدأت المحاولات أول ما بدأت عن طريق الترجمة من خلال محاولات رفاعة رافع الطهطاوي، وأول ما ترجم ترجم رواية “فينيلون” مغامرات تليماك، وترجم الكثير، ولحقوه وحذا البعض حذوه ممن عاش في أوروبا من الكتاب والمفكرين، ثم أخذت الرواية تتطور بشكلها الأدبي بأقلام عربية آخذة من أوربا التي تطورت فيها الرواية بشكل أدبي فني له أصوله وتكنيكه، وكانت محاولات العرب الأولى أشبه بالتعريب والاقتباس منها للتأليف الخالص كتجربة حرة حتى ظهرت رواية “زينب” لمحمد حسين هيكل “1914م” عن الريف المصري، وعالجت مشاكله السائدة آنذاك، وهي تعتبر أول رواية بشكلها الفني الصحيح حتى بعد الحرب العالمية الأولى، ونهضت الرواية بشكل فني لافت للنظر ونال الإعجاب، وتهافت القراء على هذا النوع من الأدب في بداية الثلاثينيات بعد أن تبلورت في الشكل والمضمون، وأصبح لها أركانها وخصائصها وعناصرها الفنية المعروفة على أيدي كتاب تأثروا بالثقافة الغربية أمثال المازني، وتيمور، وطه حسين، وعيسى عبيد، وتوفيق الحكيم وغيرهم، وفي بداية الخمسينات أخذت الرواية العربية اهتماما كبيرا من النقاد والنظر في أصولها وتكنيكها الفني، وبدأ فريق كبير من النقاد في البحث فيها والحديث عنها في الصحف والمجلات،وقفزت قفزة هائلة على أيدي كتاب موهوبين في هذه الحقبة أمثال : عبد الحميد جودة السحار، ويوسف السباعي، ويحيي حقي، وإحسان عبد القدوس، ونجيب محفوظ الذي نبغ في كتابتها ونال شهرة بها وذاع سيطه حتى تهافت عليه مخرجو السينما والمنتجون لتحويل أعماله لأفلام سينمائية، وعرفه الجمهور العربي البسيط الذي لا يجيد القراءة والكتابة من خلال زقاق المدق وبين القصرين وقصر الشوق وخان الخليلي والسكرية، والكثير من مؤلفاته حتى ساعدت شهرته على إبداع جديد وتنوع كتابي ملحوظ في فن الرواية ، وظهرت أعمال فارقة له في مجال الرواية في مدخل الستينيات، تحكي المجتمع المصري والعربي وتتكلم عن مشاكله وتجسد واقعا جديدا مثل : ثرثرة فوق النيل ـ اللص والكلاب ـ الشحاذ ـ الطريق ـ السمان والخريف ـ القاهرة 30، وبدأت الرواية العربية تأخذ ملامح الشرق وتتحدث عن معاناة الإنسان العربي ومشاكله حتى هزيمة 67 ومدى التأثر بالهزيمة وحدوث الشرخ في نفسية المواطن العربي، والتغيّر في المفاهيم والرؤى، أخذت الرواية تتأثر بذلك، وتتغير في أساليبها ، وطرق تناولها للموضوعات، وتغير الحدث من حيث الشكل والمضمون في الرواية العربية، من حيث الحبكة، والبطل المؤثر الرامز الفاعل الإيجابي، وأصبحت هناك ثورة على كل المعتقدات والموروث آنذاك في كل المجالات وكان للمؤلف الروائي باع كبير في ترويج فكر بنائي جديد من خلال رواياته، وكان إحسان عبد القدوس، والسباعي، وتوفيق الحكيم، ونجيب محفوظ إنتاج مميز له شأن يحاكي الواقع العربي وما يهدف ‘له المواطن، ومحاولة لاستخراج إمكانياته بشكل إيجابي فاعل وظهرت أنماط للرواية جديدة بهذا الشكل تكون أقرب لفكر المواطن العربي، وتغيرت الرواية التقليدية إلى الرواية الحداثية على أيدي جماعة أطلقوا على أنفسهم الحداثيين منهم حنا مينا، وجمال الغيطاني، ويوسف القعيد، وصنع الله إبراهيم، وإميل حبيبي، وإدوار الخراط، ووالطيب صالح، وبهاء طاهر، ووالطاهر الوطار، وعبد الرحمن منيف، والكثير من كتاب الوطن العربي الذين تأثروا بهذه المرحلة وشكلوا اتجاها معاصرا حداثيا جديدا.
وركز الحداثيون على الثورة على المفاهيم التقليدية في الرواية، وجددوا الخطاب الروائي، وانقلبوا على التقليدية والكلاسيكية والرومانسية في حبكة الرواية وكانت أكثر تركيبا فنيا في مختلف عناصرها من حبكة وشخوص وتوثيق معلوماتي تاريخي، وتداخلت في تكنيكها وأساليبها مع العالم الخيالي والواقعي بشكل مرموز، وأصبح لها كيانٌ عضويٌ واضحُ المعالم مؤثر في الآخر ويتأثر به، وأصبح النص الروائي عالما جديدا مفتوحا على مصراعيه من مختلف الأوجه، وفتحت تعدد الرؤي على زوايا النص لدي المتلقي والناقد، وساهمت إسهاما جديدا في خلق النظريات النقدية الحديثة التي تستوعب النص الروائي المفتوح، وتعدد الرؤى والقراءات فيه، وجاء العصر الحديث بعد نيل نجيب محفوظ جائزة نوبل في الأدب، قفزت الرواية العربية قفزة هائلة مرة أخرى، وجاءنا إنتاج متميز، في كل ألوان المدارس والمذاهب الأدبية، وعادت الرواية مرة أخرى تحتل الأهمية الأولى على مستوى الأجناس الأدبية، لأنها استطاعت أن تكتب في كل النواحي والمجالات الحياتية والإنسانية من خلال كل الرؤى، ومن خلال كل المذاهب النقدية ، والمدارس الأدبية، وأعادت معها المدرسة الرمزية المتفتحة، والمدرسة الرومانسية بشجنها الطبيعي المفسر لأحاسيس الإنسان الحديث وتطوره، وعادت الواقعية المفكرة التي تؤدي إلى الفعل والتحفيز الإيجابي للفرد والمجتمع، وأنتجت أيضا قوالب جديدة، وأعادت تفسير التاريخ بشكل جديد حديث يركز على العبرة الرمزية من الواقعي الذي حدث، وإقامة المقارنات المنطقية المحفزة للخلاص الإنساني من هموم القهر والاستعباد والإستعمار.
أري أن الرواية العربية ستعود بقوة، وهي النص الأدبي السائد على مر الزمان، مهما اختلف الإيقاع الإنساني السريع، سيجد الإنسان الحديث فيها بغيته، ولذته، وهدفه المنشود، وامتلاء حصيلتة الثقافية والفكرية من الرواية (النص الأدبي الحديث وتأثيره الإيجابي على المجتمع ـ مختـار أمـين 2014).
تحياتي لكم، وبالتوفيق للجميع، وإلى اللقاء في المحاضرة القادمة..

أضف تعليقاً