الفصل الثاني:

الرواية كــفن
تظل الرواية هي الفن القصصي السردي الأول الذي يحوي كثير من اللذة والمتعة، وهي السلعة الأولى التي تجذب المتلقي للإقبال عليها واقتنائها، لأنها تخاطب الوجدان والخيال، وتثير عاطفة القارئ من خلال ارتباطه بأحداثها المثيرة، وتجسيد شخصياتها، والتوحد معهم أحيانا.
إذ أنها تحكي جزءاً من الواقع الحقيقي في الحياة مصحوبا بخيال رقيق، وقدرات تبدو حيّة وجديدة من خلال شخصياتها، قد يطمع القارئ بالتمثل بها.
وهي تنادي بالمثل القويمة والأخلاق الرفيعة، وتثير الأفكار القوية الجريئة التي تتخلى عن قيود الواقع المصنوع سلفا من قبل أفعال الناس وسلوكياتهم، وترديهم بسبب عجز ما ينتابهم لمصالحة الحياة البسيطة، والتفاعل معها بشكل يتيح لهم العيش فيها برضا.
هي تعلم القارئ كيف يعيش الحياة، وتعطيه الحكمة، وتتجول بخياله إلى عالم يتمناه، أو عالم قبيح يرفضه تماما، وتمده بالمعلومات، وتفتح آفاقه على ثقافات مختلفة عديدة.
الرواية هي ناقد مجتمعي راشد منصف أمين، وعين فنان ماهر مثّال ينحت جزءا من الحياة، ويضع تحفته الفنية في ميدان كبير واضح في أشهر أحياء التاريخ، ليمر عليها كل متذوّق مهموم يريد أن يرتقي بمشاعره ومفاهيمه لدى الحياة.
الرواية الناجحة تعيد بناء الإنسان من جديد، وتعيد تشكيله من خلال المقارنة التي تقام بينه وبين شخوصها المثالية، وتخاطب فكره بأفكارها المطروحة.
هي تعدد الرؤى في الحياة، وتولد أكثر من منطق سليم متحررٍ من القيود والضعف والخزلان في مشكلة ما.
الرواية هي المهارة الحقيقية التي تكشف عن الكاتب المبدع المثقف المطلع..
الرواية هي الفن السردي الأدبي الذي يطلق على كاتبها المتميز لفظ أديب، إذ أنها لا يكتبها هاوٍ يتحسس قلمه موقعا متميزا على صفحة بيضاء من صفحات النصوص الأدبية، ويذكرها ويذكره التاريخ.

الرواية يكتبها الكاتب المتميز المتمرس في الكتابة الأدبية..
الرواية يكتبها الكاتب النهم على القراءة في مجالات شتى، وعلوم كثيرة، ولديه الخبرة الكافية، والممارسة لفك شفرات الحياة، وتكون لديه رؤى عديدة لالتقاط صور ونماذج من الحياة يفيد فيها المجتمع من خلال روايته..
الرواية يكتبها محتك حقيقي بأصناف عديدة من الناس، ويستطيع تفسيرهم تفسيرا جيدا، ويكون قادرا للنقل عنهم في مختلف مجالات حياتهم وواقعهم بشكل مجاور لحقيقة حياتهم، واهتماماتهم، ومهنهم التي يمتهنوها في الحياة، أي أن يكون لديه القدرة على فن تجسيد الشخوص تجسيدا واعيا محترفا، ليجذب القارئ للتعايش مع شخوصه.
لعلكم تذكرون أدباء أثروا في البشرية، كان للنهضة الأوروبية الحديثة أثرٌ في كتاباتٍ غيرت في الإنسان بشكل كبير جعلته يتحرر من عصور الظلام، ويصرخ مطالبا بالحرية، والوقوف في جموع هائلة في أكبر ميادين أوربا ضد الطغيان والقهر والاستبداد لنظم حاكمة مستبدة، كانت تظن أنها قادرة على قمع شعوبها مدى الحياة، نهضة أوربا الحديثة قامت على أيدي المفكرين والأدباء..
وأني لأذكر كاتبة أمريكية هي صحفية بالأصل، عندما اعتزلت الصحافة أثر مرض أصابها بالاكتئاب، وأقعدت حبيسة البيت، كتبت رواية عظيمة صوّرت فيها الحرب الأهلية بين أمريكا الشمالية وأمريكا الجنوبية في أوائل مطلع القرن التاسع عشر، هي الكاتبة مارجريت ميتشل والرواية “ذهب مع الريح” في جزأين.

والرواية كفن حديث ظهرت في أوربا في القرن التاسع عشر، وهناك روايات على مستوى العالم تعتبر منهجا للكتاب والنقاد والشعوب، وأخذت بأيدهم نحو النور وتبديد الظلام، وأذكر رواية “دون كيشوت” لسرفانتس التي اعتبرها النقاد رواية حديثة بكل معاييرها الفنية، وأفكارها، ورواية “روبنسون كروزو” لـ دوفو، وكتابات تشيكوف التي عنيت بالإنسان وتجسيد معاناته، ومخاطبة العقول المستنيرة، والنزول إلى الإنسان البسيط، ودفعه على التحرر من براثن الجهل، وضرورة التعلّم والاعتماد على إمكانياته واستخراج قدراته، ومجاورة المتعلم الفاهم الواعي والاستفادة منه، ولدى تشيكوف العديد الذي لا حصر له من الشخصيات في أعماله، تكشف عن التجسيد المتقن الحرفي للأديب الجيد، في نقل صورة أشبه بالحقيقية، ثم كتابات فولتير، وموليير، وشكسبير، ورابليه، وديدرو، وديستوفيسكي، تشارلز ديكنز، أرنست همنجواي، فيكتور هوجو، جوستاف فلوبير، جان جاك روسو، بلزاك، ستاندال، ليو تولستوي، ألكسندر دوماس، فريجينيا وولف، ألبير كامي، جابرييل جارسيا، توماس مان، كافكا، والكثير الكثير من الكتاب والروايات التي أثرت في البشرية..
أنصح الكتاب والأدباء بضرورة القراءة في الأدب العالمي مترجما كان أو بلغته، والتراث العربي قديمه وحديثه؛ فإن الروائي الجيد هو قارئ جيد، ومحلل دقيق لفن الحياة والناس، وتعددت خبراته في مجالات شتى، وكثرت أسفاره ورحلاته في احتكاك مباشر..
وهناك في المكتبات في كل بقاع الأرض قائمة أشبه بالحصر لأروع الروايات، وأقدر الكتاب في العالم العربي.. إصرارا مني على ضرورة تعلّم الروائي، والبحث والإطلاع..
قالوا قديما: “من يريد أن يتعلّم كتابة الشعر، عليه بحفظ ألف بيت من الشعر” وأنا أقول: : “من يريد أن يكتب رواية جيدة في بنائها وعناصرها وأفكارها، عليه أن يقرأ مئات الروايات لمختلف كتاب العالم”..
الرواية فن جميل قادر على علاج الاكتئاب، وجلب اللذة والمتعة لكاتبها وقارئها

أثر الرواية على المجتمع
مما ذكر أحبائي يشكف بالطبع أثر الرواية، ومدى تأثيرها على المجتمع في مختلف الأزمان والأماكن والبيئات والشعوب.
فإن الرواية تعلِّم المتلقي بشعور الغيرة والانسجام..
وأني لأذكر ما تعلمناه عن فرويد في محاضراته الأولى التي ألقاها على الصفوة من الباحثين، لعرض نظريته في التحليل النفسي، ومما أعجبني جدا وأثار اهتمامي بعد علمه، طريقة تناوله للموضوع، وعرضه الجيد المتقن، الذي سرده بأسلوب سهل مريح للفكر، وعضده بالأمثلة الحيّة المجيدة، وهو يميط اللثام رويدا رويدا عن كل اكتشاف منير للبشرية من خلاله بحثه..
كيف كانت له القدرة بعرض الموضوع بجمل تخللتها ألفاظ دقيقة، تحوي المقصود من المعنى بكل دقة كما الروائي المحنك، وسلسلة الأفكار بشكل متتابع كما السلم الهرمي، كل درجة توصلك للدرجة التي تليها بكل أريحية بلا عناء.
وقد خالف فرويد المتبع والمعروف في عرض بحث علمي، بأسلوبه العلمي المتعارف عليه في التصنيف البلاغي، لما هو مقروء وما هو محكي، وأجاد فن الحكاية، والتأثير الجاذب على المتلقي، وكان مالكا محنكا بشتى الطرق في الإقناع والتأثير على الخارج منه من كلام، يأخذك إلى حيث الحديث العلمي المقر والمعترف به كمستند، إلى الحدوتة وفن روايتها، إلى السخرية، إلى التنكيت، إلى إظهار الحقيقة في ثوب جليّ متقن كما الحاوي..
إنه لبحق أجاد إجادة واعية كعبقري يكتب رواية شيّقة من فصول عديدة، يود المتلقي الباحث الشغوف ألا تنتهي فصولها، وبهذا قد خلق تأثيرا كبيرا في مقصد من مقاصد العلم، وخرج الجميع ليبحث فيما قال، وتأكيده أورفضه، متجاوبا معه أو نكرانه، وكشفت السنوات أن فرويد أثر في البشرية بعلمه ونظرياته المتعددة، ومن وجهة نظري المتواضعة: “ليس بكشفه العلمي المذهل لما أتى به من جديد في العلم، ولكن بطريقة عرضه الجاذبة، والاستحواذ على ألباب المتلقين، ووجداناهم”
إذن المكتوب له فن السحر على المتلقي، والكاتب الحاذق المحنك يستطيع أن يقنعك بما كتبه من خلال التأثير على ملكاتك وعقلك.
كلما أشعرك الكاتب أنه الأقدر والأعلم من خلال سرده المتقن لمعارفه وثقافاته، وقدرته على توزيع مهارت التأثير عليك بأكثر من طريقة محسوبة دقيقة، كلما أقنعك وآمنت بما كتب، وأن كثيراً من الكتب أثرت على البشرية بأفكارها من خلال الخطاب الجيد المثير، حتى وإن كانت هذه الأفكار خاطئة في المعتقدات والميول، أو أنها خاصة جدا في وجهة النظر والفكر.
كم منا تعاطف مع أبطال الروايات، وهم في الحقيقة أشرار وغير أسوياء، كم منا غيّر معتقده الحتمي باكتشافه بعد قراءة كتاب معين لكاتب معين أثر عليه، شعورا منا أنه الأقدر منه علما وفكرا..
هذا تأثير فردي، وهناك تأثير مجتمعي جماعي، عندما تخرج رواية لكاتب جيد موهوب يتكلم فيها عن الحرية لشعب مقهور، أو أنه يصوّر حربا أهلية كثرت فيها الفتنة، وأدت لقتل مئات من البشر، كرواية : “ذهب مع الريح” للكاتبة الأمريكية مارجريت ميتشل، أو رواية مثل: “مئة عام من العزلة” لماركيز، “وأولاد حارتنا” و”القاهرة 30″ والثلاثية لنجيب محفوظ ” البؤساء” لفيكتور هوجو “لمن تقرع الأجراس” لأرنست همنجواي “الحرب في بر مصر” ليوسف القعيد “الزمن الموحش” حيدر حيدر “كوابيس بيروت” غادة السمان “الزيني بركات” جمال الغيطاني ” الحب في المنفى” بهاء طاهر “مدارات الشرق” نبيل سليمان “موسم الهجرةإلى الشمال” الطيب صالح “الخبز الحافي” محمد شكري “العودة إلى المنفى” أبو المعاطي أبو النجا “صنعاء مدينة مفتوحة” محمد عبد الولي “الف عام وعام من الحنين” رشيد أبو جدرة “أيام الرماد” محمد عز الدين التازي، وغيرها الكثير من الروايات التي أثرت في الشعوب، وجعلت الفكر يعتمل نحو الأفضل والخلاص.
إلى هنا أحبائي الكتاب والنقاد والقراّء، قد كشفنا أن الرواية كفن تحتاج لكاتب جيد مخضرم، يبغي المتعة والتأثير الإيجابي على المتلقي، ولابد له من الخبرة الأدبية والأسلوب المعبر المتقن، وإلمامٍ غير قليل بشتى أنواع الثقافة والعلوم، إذ أن الرواية ليست هي سرد طليق حر غير محكوم، كما يظن بعض الكتاب الجدد، الرواية لها خطة، ويؤلف كثير من أحداثها قبل مرحلة الكتابة، والتجهيز لها، وترتيب أفكارها، مما لها تأثير كبير على القراء.

أضف تعليقاً