أخيرا عدت لمدينتي وجدة بعد غياب سنة بسبب الدراسة في مدينة تطوان ، كنت أفكر طوال الوقت في عشقي لمدينتي عندما كنت في الحافلة ، في الحقيقة بدأت اشتم رائحتها منذ وصلنا لبني درار رغم أنها امتزجت برائحة الشواء. لا أدري لماذا يحبها أهلها لهذه الدرجة ؟ في كل مكان في هذه المدينة ، يحبها أهلها حد الجنون. أشعر بشعور ليس له مثيل…. في الحقيقة أنا أريد القيام بالكثير من الأمور في هذه العطلة القصيرة.
بعد لقاء الأسرة و حرارة الاستقبال ، ارتحت قليلا و استمعت لقصص أفراد الأسرة واحدا واحدا . كان الأمر أشبه بحلم تم تحقيقه. فشوقي لأسرتي و بعدي عنهم جعلني أبقى في المنزل طوال الوقت إلى أن قررت الخروج بعد يومين من عودتي. كانت امامي لائحة كثيرة لزيارات الرحم و التي لا بد فعلا من القيام بها كما أوصتني والدتي. بعد يومين من الراحة قررت البدء في التطبيق.. فأمي توصيني دائما بأخذ الحليب أو قالب سكر و هو الهدية التقليدية التي يأخذها المغاربة عند زيارة الأقارب ، او على الأقل شراء الحلويات للأطفال فهذا الأمر يفرحهم. لكنني لن آخذ معي رفيقا إلا سلتي ، قد يبدو الأمر غريبا ، لكن هذا ما فعلته فقد اخذت معي سلة اعتدت أخذها لسبب ما لكنها تثير الشكوك حولي دائما. و في نفس الوقت لا أتخلى عنها أبدا في أي زيارة من زياراتي !
انطلقت جولتي برفقة سلتي في المدينة ، اريد ان اتمشى في كل بقعة من هذه المدينة المباركة. و ان اتكلم مع الطرقات و الجدران و البنايات .. بدأت بزيارة منزل جدي ، فكان يحكي عن الحرب في الفيتنام الاستعمار و أمور أخرى عاشها لا زال يتذكرها كأنه عاشها الأمس فقط .أما جدتي فكانت تنهره باستمرار أن لا يحكي لنا عن “خزعبلاته ” كما تصفها هي و التي يعيد حكايتها للمرة الألف ربما ، و تنصحني بنصائح معينة في الحياة . فيبدأ نقاشهما المعتاد ، لكنهما يحبان بعضهما البعض رغم أنهما في هذا العمر. حان دور خالتي التي طلقها زوجها معنويا أما ظاهريا فزواجهما يبدو كأي زواج في هذه الحياة، كانت تضحي من أجل أطفالها. حاولت أن تربيهم و تدرسهم لوحدها لأنه يبقى طوال الوقت خارجا و لا يهتم ، لكنها تريد البقاء و الاستمرار و النضال وحيدة من أجل أطفالها. لم تبخل خالتي المسكينة بدموعها ، سقطت على الأرض فجمعتها و مسحتها بمنديل أحمله ووضعتها في السلة بعد أن ذهبت للمطبخ لإحضار طبق من حلويات كعب غزال الذي يعجبني.
أما عندما زرت منزل عمتي التي لا يزورها أحد ، فقد استقبلتني بالتمر و الحليب كما يستقبلون العرسان في تقاليدنا ، جمعت منها بضعة دموع أيضا فقد حكت عن احزان كثيرة تملأ القلب. لأن الوحدة القاتلة التي تعيشها بعد وفاة زوجها و هجران أولادها للعمل في الخارج. في كل زيارة أفتح سلتي بطريقة تثير الريبة ، لكنها فارغة بالنسبة لجميع الناس إلا أنا، فهي سلة مميزة بالنسبة لي. أضع بها المناديل المبللة بدموعهم.
ما إن أكملت زيارتي الثالثة حتى رنّ هاتفي ، فوجدت صديقي يتصل بي و أجلس معه في المقهى ، هو يستعد لعرسه و يجمع المال اللازم ، لكنه بحاجة إلى الكثير من المال. لم يجد هو الآخر حلا إلا ذرف بضعة دموع بخجل … سلتي امتلأت عن آخرها. وعدته بالمساعدة إذا وجدت طريقة ما ، لكنني فعلا أشفقت عليه جدا فهو في حالة يرثى لها.
كنت أعتقد أنني سأرفه عن نفسي في هذه الأيام و لكن العكس هو الذي حصل للأسف الشديد.
في كل مكان من باب سيدي عبد الوهاب و الباب الغربي في وسط المدينة مرورا بأحياء أخرى وصولا إلى لازاري و حي كولوش … قطعت المدينة طولا و عرضا. من شمالها إلى جنوبها. كأن الأحزان تقدم هنا بالكيلو أو بالكمية التي ترغب فيها دون مقابل .تأتي الأخبار الحزينة ، الواحدة تلو الأخرى … من حيث لا تدري. استمعت لعذابات الناس ولم اعد احتمل بل كنت احبس دموعي رغما عني. و اتظاهر بالقوة و أتفاءل رغم أن الواقع غير ذلك . كل واحد يروي حزنه و أحاول التخفيف عنه بشتى الوسائل رغم أنني أشعر أنني لا أجيد هذا الفن أبدا. فأنا بالكاد أنجح في رفع معنوياتي. و لا يشهد على هذه الأحزان إلا أنا و سلتي رفيقتي هذه.
اشتقت الى أهلي ، كنت أريد أن أحكي لهم عن مدى اشتياقي و أيضا عن عذاب العيش في أرض الغربة ، معاناتي ، لم اتكلم عن قصتي ابدا و فشلي في المسابقة الرياضية او الدراسة. حتى السرقة التي وقعت لي أو إهانات ذلك الأستاذ الظالم . لم أحك عن هذه الأمور . لم احك لشخص قط بل و حتى أمي … ربما فيما بعد لكنني لم أستطع في تلك اللحظات. فلم أرد أن أكمل أو املأ آذانهم بالمزيد من الأحزان. لكنني أفرغت بعضا من دموعي في هذه السلة التي تكتم الأحزان عند عودتي للمنزل في الخفاء بعيدا عنهم لأن الرجال في نظر الناس لا يجب أن يبكوا، حتى اصبحت السلة ثقيلة جدا بعد ذلك ،و فوق قدرتي على الاحتمال.
حبست نفسي في غرفتي بعنف لمدة أيام طويلة ، و احترت مع نفسي … لا أدري ماذا أفعل ؟
لم أعد أستطيع الاحتمال أكثر أيتها السلة ، فكرت قليلا فركبت في سيارة أجرة كبيرة … ، سافرت أنا و سلتي في اتجاه شاطئ رأس الماء قرب مصب نهر ملوية بالبحر الأبيض المتوسط. اختلطت دموعي مع ماء البحر و أمسكت سلتي و أفرغت كل ما فيها هناك ، غسلتها جيدا كي أبدأ حياة جديدة في الأيام القادمة أنا و سلتي.

أضف تعليقاً