المساء..
غابت الشمس، توارت خلف غابة الأركان الكثيفة.
يهيمن الليل تدريجيا وتغرق القرية في صمت رهيب.
في الخلفية بعيدا يسمع صوت البحر.
تعود الحياة للحظيرة، تنفتح البوابة الكبيرة، تدخل القطعان، نقف هناك نتأمل المنظر بهدوء، تذهب العنزات توا إلى مواليدها، تشمها، تتحسسها، تنفرج قوائمها في حركة غريزية، ثم تتركها تمتص الحليب بسخاء.
يقف (لامين بيهي)، يمسك بيده اليمنى (لمبة غاز) يعلقها في مسمار خشبي على الحائط الحجري، نحمل إليه صغار الخراف والعنزات اليتيمة تباعا، يسقيها حليبا من براد معدني قديم، يمتص الحليب من الإناء المعدني، يفتح أفواهها الصغيرة بأصابعه القوية، ثم يبخه في حلقها بقوة، تختنق، تنتفض، تقاوم، يسيل الحليب الدافئ على أصابعه وثيابه، وعندما يقدر انها قد ارتوت يتركها تنفلت من قبضته القوية، يعيد نفس الحركات مرات عديدة بنفس الحرص.
ننظر إليه بإعجاب، يبدو منخرطا، هادئا، ومستمتعا تماما بما يفعل.
(لامين بيهي) هو الرجل الثاني في عائلتنا، رجل غريب الأطوار، متفرد، غامض، متقلب، مزاجي، قاس، عنيف ومتهور، يعاني جفافا عاطفيا رهيبا، يبدو كما لو كان بلا قلب وبلا مشاعر، يبدو مكتئبا في الخريف، وسعيدا في فصل الربيع، ويبدو أكثر سعادة في موسم الأمطار، ولكنه بالمقابل لا يحب الأجواء العنيفة والمتقلبة، في الصيف يتأفف كثيرا، يكره الحرارة المفرطة، فيتخلص من سرواله وجلبابه الصوفي، ويرتدي فستان زوجته (الدوبياس)* المفتوح من الجانبين، ربما لأنه يريحه أكثر، يبدو منظره عبثيا وشديد الغرابة، وكأنه ليس هو.
أحيانا كثيرة تخيلته شخصا افتراضيا هاربا من رواية أو فيلم سينمائي.
لم نره أبدا يضحك، أويبكي أو يتأثر، حتى في أقسى اللحظات في حياته وكأنما يؤكد اختلافه، كان يحضر الأعراس والمواسم، ولكننا لم نره أبدا يرقص، في المرات القليلة التي سمعناه يغني كان الأمر صادما، مضحكا وغريبا…يغني دوما أغنية واحدة بإيحاءات جنسية قوية، أغنية تنتهي دوما بلازمة حزينة وغير مفهومة:
( هاو ديديك ديكني…
هاو ديديك…
هاو ديديك ديكني…
هاو ديديك…)
يعود من سهرته التي تمتد إلى الهزيع الأخير من الليل، يجد البوابة الكبيرة مغلقة، يتراجع خطوتين إلى الوراء، ثم يبدأ في رجم البيت بوابل من الحجارة، كانت تلك طريقته في الإعلان عن عودته، وإرغام الأهل على فتح الباب.
تستيقظ زوجته تمشي بمحاداة الجدار، تتفادى الحجارة وهي تدعو عليه غاضبة:
– وايه…وايه…تفو …المرض…
اكتشفنا فيما بعد أنه يشبهنا، أو نحن من يشبهه، فهو لا يسترجع إنسانيته إلا عندما يتعلق الأمر بالحيوانات الصغيرة حديثة الولادة والخراف اليتيمة، فيبدو فجأة إنسانا رقيقا، إنسانيا، حنونا، عطوفا ومحبا…
نفس الحب الذي تشربناه في قريتنا، حب قاس، صامت، أبكم وبدون لسان.
نحن الصغار تشربنا مبكرا طعم هذا الحب القاسي.
منذ أيام والمطر ينزل بقوة وعنف، لا يتوقف إلا ليبدأ من جديد بشكل أكثر قوة وأكثر عنفا، تصدعت بعض البيوت الحجرية، وآلت أخرى للسقوط، أما الحظائر والسقائف الخشبية فلم تصمد إلا لساعات، وانهارت تماما تحت سطوة المطر، مثل الكثير من الفلاحين فقد (لامين بيهي) الكثير من ممتلكاته، ماتت خراف وعنزات كثيرة تحت الأسقف المنهارة، وجرفت السيول بهائم أخرى في منظر محزن ورهيب.
كان المطر لا يزال يضرب بقوة، وقف (لامين بيهي) أمام البيت القديم يمسك حماره من رسنه، كان الغضب قد أفقده صوابه، نزع عمامته البيضاء، ألقى بها إلى الأرض، رفع بصره إلى السماء، وانخرط في خطاب مليء بالتهديد والتجديف والغضب، يخاطب السماء، يرفع سبابته محتجا:
– لم تتحجج بالمطر؟ أنا أعرفك، وأنت أيضا تعرفني جيدا…
يصمت قليلا، ثم يواصل.
– نحن نعرف بعضنا، لم تقتل البهائم تحت الأنقاض؟ لم تهدم؟ لم تقتل؟ يشير لحماره، تريده؟ لم لم لا تقتله هنا؟ ثم ماذا تستفيد أنت من القتل والهدم؟ لم لا تتركنا وشأننا؟ لم نعد نريد منك شيئا، تمسك السماء لسنوات، تتشقق أقدامنا، تجف أرواحنا، تموت الأرض تحت أقدامنا، تجف أرواحنا، نخرج حفاة عراة (في إشارة ربما إلى صلاة الإستسقاء)، نطلب سقيا رحمة، فتغرقنا طوفانا وعذابا فتهلك الزرع والضرع…
يمر الفقيه سي موسى، يسمع جزءا من خطاب التجديف، يستعيد من الشيطان، يستغفر:
– العن الشيطان…آش ينفع الكفر بعد الرزية والخسارة؟
في الأصيل، نعود نحن الصغار من الجامع، نجده أمام البيت القديم، يدخن سيجارته السوداء بدون مصفاة، يمسك السيجارة في حركة مسرحية ويرسل الذخان بعيدا، فهو لم يكن أبدا مدمنا على السجائر، يجلس متربعا مثل كاتب فرعوني، تعلو وجهه ابتسامة غريبة تستعصي على التصنيف، نسلم عليه، نقبل يده الخشنة، يبدو سعيدا لرؤيتنا، ثم يدخل في لعبته المفضلة، لعبة غريبة وغامضة، متاهة من الأسئلة لا تنتهي.
يسألنا:
– من وجدتم في الطريق؟
– نجيب:
– وجدنا فلان…
– ماذا قال لكم؟
– قال…
– وأنتم ماذا قلتم له؟
– قلنا…
– وهو ماذا قال بعد ذلك؟
– …
– وماذا قلتم؟
– قلنا له…
– وماذا قال؟
– …
نستغرب في البداية، لا نفهم المغزى من متاهة الأسئلة، نشعر بالملل، نغضب، أما هو فيستمتع باللعبة، كانت تلك طريقته في نسج لحظات فرح عابرة، فيشعر بالسعادة ويغرق في الضحك، ضحك مختصر سرعان ما يتوقف.
ثم يقرر فجأة أن يحلق رؤوسنا، يقرر لوحده، لا يستشيرنا، نجلس في حضنه مستسلمين، يخرج من قرابه الجلدي موسى حلاقة، موسى قذرة، صدئة وحافية، وتبدأ جلسة التعذيب، يحلق رؤوسنا بالتناوب، يهتم بالتفاصيل الأخيرة لعملية الحلاقة، يزيل الزغب الأشهب بأصابعه، ينتفه بقوة، نتألم، نشعر العجز، نكرهه، نحس فجأة أنه شخص مجنون، غريب الأطوار، يتملكنا الخوف، يشلنا من الداخل، نتألم بصمت، ولكننا لا نبكي أبدا.
يبدو الأمر بعيدا الآن، فقد مرت سنوات طويلة، طويلة جدا.
أستعيد صورته، ما تبقى منها، جسد صلب، يدان قويتان، وجه أسمر بتفاصيل صارمة، لفحته الشمس، وجتنان تخطهما شرايين الصحو والنضارة، عينان ذكيتان، مراوغتان، تحركهما روح متمردة، متشككة، متوجسة ولا تستقر على حال.
أقعده المرض، فبقي طريح الفراش لسنوات، يجلس رجال القرية عند قدميه، يؤنسون وحدته، يحلق (احماد ألعربي) صديقه الحميم رأسه، يشذب لحيته وشاربه، يستعيد فجأة وسامته وروحه المرحة، يثرثر الرجال، يسترجعون معه أيام الزمن الجميل…
هل كان جميلا فعلا؟
لا يهم، فعندما تمضي الحياة، تتوارى إلى الخلف، وتولي بعيدا، يسترجعها الناس في صور جميلة ملونة وباسمة…
يتطفل البعض، ينصحه بالصلاة والإستغفار، يتجاهله (لامين بيهي) يصمت للحظات، لحظات طويلة وكأنه يفكر، لا أحد يستطيع الجزم إن كان يفكر، وفيما يفكر، ولكن الأكيد أنه لا يهتم كثيرا بالموت، ولا بالكلام الذي يدور حول الطمع في الجنة والخوف من النار، فعلاقته بالسماء كانت دوما غريبة وغامضة…
لم يكن يصلي إلا لماما، ولا يحب الذهاب إلى المساجد، وعندما يغضب يخرج عن طوره، يجدف، يهدد، ويعلن الكفر والعصيان، صحيح أنه لم يفقد أبدا إيمانه، ولكنه بالمقابل لم يكن يهتم كثيرا بالمثاليات، كان يعيش حياته فقط، وعندما أقعده المرض واجه قدره بكثير من السخرية والمرح.
يتدخل (الحاج احماد إبليهي) لتلطيف الجو، يستحضر – من باب العبرة ربما– أخطاء الماضي المرتبطة بالقوة والإندفاع والتهور وفورة الشباب، يتكلم بنبرة دينية يمتزج فيها التسليم والأسف بالأمل:
– ربي كبير، إنه غفور ونحن ضعفاء…
يصمت قليلا ثم يواصل…
– لقد كنا نكذب ونسخر، ونلمز ونتنابز بالألقاب، ونتكلم في الناس بغير حق، و…
ينظر إليه (لامين بيهي)، يرسم ابتسامة ماكرة على الجانب الأيسر من شفتيه، يقاطعه بسخرية:
– وكنا نسرق…
سكت (الحاج احماد إبليهي) وكأنما ألقم حجرا، فهم الرسالة، اعتبر أنه المقصود بالسهم المنفلت، انجرحت أناه، أحس بالحرج، فهو رجل معتد بنفسه، بمقاييس القرية يعتبر نفسه من الأعيان، صحيح أنه شخص متدين ومستقيم، وصحيح أيضا أنه مستعد للإعتراف بكل شرور الدنيا، ولكنه لم يكن ليعترف أبدا بالسرقة، فهي في قريتنا أسوأ العيوب على الإطلاق…
الرجال في قريتنا ليسوا مؤمنين مثاليين، فهم يستبيحون لأنفسهم الكثير من المحرمات، ولكنهم عادة لا يسرقون.
- لامين بيهي
- التعليقات