اعتدل جالسًا، كان مستلقي على الأرض العارية إلّا من بعض الجرائد، واقترب.. بنصفه الأعلى، إلى المنضدة الصّغيرة، سحب دفترًا وقلم- يبقيهما بجواره دائمًا ترقبًا للحظة تجلي- من تحت الكتب القديمة، فتحه وراح ينظر في بياض الورق.. قليلاً، ثمّ ركنه وقام ليصنع شايًا.
في الحقيقة لم يقم، إنّما زحف( مقرفصًا) إلى ركن الغرفة حيث الشّعلة وعلبتي الشّاي والسّكر.. وضع ملعقة صغير من السكر ونصف من الشاي منتظرًا غليان الماء.
وهو يحرّك الملعقة في الكوب، بعد أن صب الماء، لمح في إحدى الجرائد جزءًا من صورةٍ لفنانةٍ مشهورةٍ، يظهر فيه نصف وجهها وذراعها البضّ وقد اعتمدتْ به على خصرها المثير.
عاد إلى موضعه- بنفس الطّريقة- في يدّ كوب الشّاي وفي الأخرى الجريدة، ركن الكوب وجلس يتأمّل جسدها( المزنوق) داخل فستان عاري الصّدر، وما لبث أن انتزع عينيه من نهديها النّافرين وسافر إلى الفمّ.. المنفرج بشكل يوحي أنّه قد قال، همسًا، كلمة ماتزالُ في طريقها إلى الأذن الّتي تسمعها- تمنّى أن يكون هو صاحب هذه الأذن-، مال وقبّل شفتيها، ثمّ أشعل السّيجارة الّتي بقى عليها معظم النّهار، وتذكّر، وقد سقطتْ عيناه إلى مفرق النّهدين، ما قرأه عن مبعث رواية” اللّص والكلاب” لنجيب مصر محفوظ.
تحمّس.. أخذ يقرأ المانشتات متمنيّاً أنْ يفتح الله عليه:” متّهمة بتعدّد الأزواج: إشمعنى الرّاجل يتجوّز أربعة؟!. قاتل نصر حامد أبوزيد: لم أقرأ له. باحث بالأزهر: الحجاب ليس فريضة علی كلّ النّساء. سياسيٌّ: الجيش حمى البلد وله كلّ الحقّ في إخفاء ميزانيته. البلد تعاني أزمةٍ اقتصاديةٍ حادّةٍ وتحتاج لتبرّعات أبنائها في الخارج. الرّاقصة: ابني فخورٌ بي ويقول لي قبل أيّ حفلة هزّي كويس.”
تعالت ضحكته، كتمها لئلّا يسمعه صاحب المنزل- لم يسدد إيجار الغرفة لأنه طرد من شركة الحراسة الشهر السابق- ورفع كوب الشّاي وقد داعبه اليأس، أخذ رشفةً ثمَّ ركن الكوب وأمسك القلم، وفي أوّل صفحات الدّفتر كتب: إن افترضنا أنَّ قطعة الأرض التي بنيَّ عليها المنزل مربّعةً تمامًا، سيكون( الحوش) أكبر من مساحة الحجرتين.. إحداهما يساراً والأخرى التي يقف على بابها ابن الخمسة أعوامٍ يمينًا. وأمام التّلفاز القابع على حامل ثبّت في الجدار، بجوار الباب الرّئيسي، تجلس امرأةً بدينةً نوعًا.. فاردةً ساقيها، على فخذيها طبقٌ كبيرٌ به شرائح من البطّيخ، يلتصق بها زوجها الذي توقّفتْ يده عن مناولة فمه ما إن رأى صورة” محمد الدّرة” وقد خبّأه أباه كي لا تصيبه طلقات الإحتلال، التي أصابتهما بالفعل. وكان صوت المذيع الرّخيم يعلن أنّ عدد المتساقطين يتزايد…
توقفّت يد المرأة أيضًا وراحت تنظر دامعةً. وبينما كان الطّفل، الواقف على باب الحجرة، يقلّب نظره بين شرائح البطّيخ وساق امرأة أبيه العارية؛ انتهى موجز الأنباء.
– أين كانت هذه الذكرى مختفية عني؟!
قالها بصوت واضح، حزين، قبل أن يمزق ما كتب، وتغمره الذكريات.
