في ذلك اليوم الشتوي .. كانت زخات المطر تبلل وجه الأرض فتكسيه كآبة .. والسكون يلف الكون بهدوء لا يقطعه سوى وقع خطواتي المنتظمة .. كنت أشق طريق العودة بين المروج، سارحا بخيالي في عوالمي المتخمة بالقصص والأحلام .. مستأنسا بجمال الطبيعة العذراء .. وحين اقتربت من إحدى الينابيع التي كنت أروي بها عطشي؛ تفاجأت بفتاة تملأ إناءً وبمجرد ما انتبهت لوجودي ظهر الفزع على محياها مثلما أفزعني وجودها غير المتوقع .. وقف كلانا متواجهين نتبادل نظرات الدهشة والقلق.
كان الظلام قد بدأ يجر أذياله على الكون وقرص الشمس بدأ يغيب خلف التلال .. بينما زخات المطر لا تزال تتساقط منذرة بليلة مطيرة ..
بعد لحظات زالت الدهشة عن محياها فحملت إناءها وانصرفت وهي تتلفت بين الفينة والأخرى كأنما تخشى أن أقتفى أثرها .. لذلك كنت حريصا على أن لا أثير ريبتها .. فأبديت ملامح التودد ولازمت مكاني حتى اختفى ظلها بين الأحراش .
كانت فتاة متميزة بزيها الغريب الذي تبدو فيه وكأنها قادمة من أعماق التاريخ؛ بقامتها المديدة وجسدها النحيل .. بوجه أسمر متواضع الجمال تجلله مسحة من الكآبة تضيع خلالها معالم سنها الحقيقي .. غير أن ما يلفت الانتباه فيها شعرها الأسود المنسدل على كتفيها وعيناها الواسعتين ذات النظرات الغامضة .
أمضيت أياما مشغول البال بأمرها وكثر ترددي على المكان؛ عساني أظفر منها بنظرة، أو أكشف لها سرا .. لم تكن بعد قد حركت خلجة من مشاعري، بيد أني كنت حريصا على أن أفك لغزها المحير .. ومع مرور الوقت تسرب اليأس إلى نفسي وخامرني الشك فيما رأيت؛ لعلها كانت خيالا مما يخطر على الذهن أحيانا فنتصوره حقيقة !
إلى أن كان ذات مساء؛ حين كنت أشق طريق العودة على مألوف عادتي .. وعندما اقتربت من النبع شاهدتها منحنية على آنيتها مشغولة بملئها. فتسمرت في مكاني أفتح عيني جيدا واستحضر ذهني لأتأكد مما أرى .. وبعد أن ملأت آنيتها تراجعت إلى الخلف قليلا واستدارت لتتفاجأ بوجودي، فارتسمت الدهشة على محياها .. نفس النظرة ونفس الملامح .. غير أنها كانت مضطرة هذه المرة على اجتيازي فقد كنت أسد عليها الطريق .. وبعد تردد نقلت خطوات مضطربة وتحركت باتجاهي وعيناها تراقباني بحذر شديد، وعندما اقتربت مني زاد اضطرابها، ثم تجاوزتني مسرعة .. بينما كانت دقات قلبي المتسارعة تكاد تسمع من شدة الفزع .
استجمعت شجاعتي وتبعتها .. قوة نابعة من أعماقي المترعة بالفضول والمغامرة كانت تمدني بطاقة عجيبة لأخوض الطريق المجهول .
كانت الفتاة تنعطف بين الأحراش الصغيرة التي تضيق أحيانا و تتسع أخرى وهي تغوص في عمق الوادي .. وكانت تتلفت من حين لآخر فأتعمد الاختباء؛ لأني كنت أراقبها بحذر شديد حتى لا تتفطن لوجودي .. حتى انتهى بها المطاف إلى دوحة كبيرة في أصل الوادي فأزاحت بعض الأغصان لتنكشف عن فتحة تسللت منها مسرعة إلى الداخل وعادت الأغصان إلى مكانها .. بينما وقفت قريبا متعجبا وقد ازدادت دقات قلبي خفقانا ..
بعد تردد تسللت عبر الفتحة فإذا هي مغارة .. كنت كلما توغلت فيها يزداد الظلام كثافة من حولي فأصطدم بالجدران والنتوء .. و لكن ذلك لم ينل من عزيمتي .. كانت قوة غريبة تسري في جسدي كالتيار وتدفعني إلى الأمام بكل إصرار .. وبعد لحظات ظهرت نقطة مضيئة في الأفق كانت تتسع كلما اقتربت منها فإذا مخرج آخر يطل على مرج أخضر يتوسطه كوخ متداعي تتصاعد منه أعمدة الدخان، وتمرح بين أرجائه بعض الخراف بكل حرية .. إنه مكان غير مألوف لدي أبدا .. رغم أني أمضيت وقتا طويلا أجوب المنطقة حتى لم أكد أترك فيها شبرا لم أكتشفه !
وبينما أنا مأخوذ بسحر المكان أحسست بيد تربت على كتفي .. كانت هي نفسها الفتاة الغريبة بنظراتها الغامضة، أمسكت بيدي وقادتني إلى الكوخ بعد أن استسلمت لها وتبعتها مسلوب الإرادة ..
كل شيء في الكوخ كان رثا يوحي بقدم نشأته؛ قاعة وحيدة تتوسطها طاولة مهترئة حولها بضع مقاعد، وسرير عليه غطاء من صوف مزركش.
أجلستني على حافة السرير ثم أحضرت صندوقا به رزمة من الأوراق وضعتها بين يدي. ففككت رباطها ونفضت عنها الغبار ثم شرعت في قراءتها .. كانت مكتوبة بخط قديم دقيق من الصعب فهم دقائقه ولكني علمت منه أن والدتها تزوجت شابا دون رضا والديها، ويبدو أنه لم يكن رجلا نزيها فقد هجرها بمجرد أن تحرك الجنين في بطنها .. فلم تجد بدا من الفرار إلى المجهول .. أما كيف وصلت إلى هذا المكان .. وكيف تهيأت لها الظروف حتى تنجب وليدتها وتتعهدها بالرعاية ؛ فذلك ما لم أجد له جوابا؛ لأن الفتاة ظلت تلوذ بالصمت طول الوقت .
بعدما انتهيت من قراءة الأوراق أمسكت بيدي وترجتني بحركات فهمتها؛ أن أدعها وشأنها ولا أهتك سرها ، ثم قادتني إلى المغارة ورافقتني صامتة حتى الجهة الأخرى حيث وقفت تشيعني بنظرات لم أجد لها معنى في كل العيون التي رأيت!
بعد عودتي إلى البيت شرعت أسأل الناس في القرية عن قصة امرأة تزوجت من غير رضا والديها والتي هجرها زوجها بعد أن حملت منه .. فأخبرني الشيوخ أنهم سمعوا مثل هذه القصة من أسلافهم لأنها وقعت منذ زمن بعيد .. بعيد جدا.
بعد ذلك لم أعد أصادف تلك الفتاة .. وعندما قررت أن أتوجه إلى المغارة من جديد تهت طويلا ولم أهتد إليها أبدا ..

أضف تعليقاً