01-وأنا فِي طرِيقِ عوْدَتِي مِن الْعَاصِمَة إلى مَدِينة البِيرين، قطَعَتُ المُسَافَة وَقلبِي مُلتَاعٌ، توًقفْتُ بَعْضَ الوَقتِ فِي مَدينة البرْواقيّة، لاسْتريحَ اسْترَاحَة مُسَافِر، ورُوحِي تُهَدْهِدُ عَلى مَقبَرَةِ الذِكرَيَاتِ، وَالَمَكَانُ صَامِتًا تملؤه الذِكْرَيَاتِ، يَنْتظِرُ مَنْ يَنْفُضُ عنْهَا الغُبَار، تهزُّنِي العَواطِف مِن نيّاط قلبِي وتنْفلتُ، وفي هَذا الشَّارع الطويل انْتهَتِ الرِّحْلة، فاخْترتُ الْمَكانَ المُلائِم، رَكنْتُ السَيّارَة، دَلفتُ الْمَقهَى المُقابل لسُوقِ الْفلاح “مقهَى السّلامِي” جُلتُ ببَصَرِي اطرَافَ الْمَكان، تَنَاهَى إلَى سَمْعِي حَدِيثٌ مُمْتعٌ، ليْسَ غَريبًا عَنْ سَمْعِي، ذَكّرَنِي بِصَدَى ضَحَكَاتِ الشَيْخ مَنْصُورالرَّقيقةِ، ولطَائِفَ اسْعَيْدِي عَلِي المُبْهرَةِ، وضَحَكات ابْرَاهيم مسْعد وطائِفةٌ مِن قدمَاءِ الْمُربِين، هُمْ جَمِيعًا مِنْ أبْناءِ الْمَدِينةِ، كانُوا يَتحَاوَرُونَ..يَتناقشُون..التزَمْتُ الصَّمْتُ بعْضَ الوَقتِ، أُصْغِي لحَدِيثهِم الشَّائِق {وأصْعَبُ شيْءٍ فِي الْحيَاةِ أنْ تُكسِّر الصّمْتَ بالكلمَاتِ، ثمّ تكسِّر الكلمَاتِ بالصَّمْتِ} كما يقول: “فليب روث” هُم كالطيُور عِنْدَمَا تنْتفضُ وتَنْفضُ عَنْهَا النَّدَى، أو كرَذاذٍ يترَاقصُ عَلى مُنحَدَرَاتِ الوَادي المتدفِّقة مِيَّاهُهُ، فجْأة اقْبل رَجُلان من أهْل الترْبِيّة يتهامَسَان، كانَ حَدِيثهُما الشَّائقُ مُنْعشًا، يَتمَاوَجُ كسَلْسَال نبْع يَمرُّ بسَمْعِي، فيَمْتلأ القلبُ سَعادَةً وحُبُورًا، صَافحْتهُما بحَرَارَةٍ، يلتفُ نحوْنَا شيْخٌ طعنَهُ الدّهْرُ وسَلبهُ نضَارَةَ جَسَدِهِ، كانَ يجْلسُ فِي المَقهَى كلَّ صَبَاحٍ يُقلبُ اوْرَاقَ الْجَريدَة، وقراء الجرائد هذه الايّام قلائل، يَسْتمِعُ إلى أحَادِيثِ النّاس بوَلهٍ، قدْ تجعّدَ جَبينُهُ المُفلطَحُ، احْدوْدَبَ ظهْرُهُ، نهَكتهُ صُرُوفُ الدّهْر وأوْجَاعَ الحَيَاة، في جَلسَته االمُتواضِعَة تجدُهُ اكثرَ النّاس اجْلالاً وَوَقارًا، بنبْرَةٍ حَزينةٍ مُتمَاوجَةٍ يُنادِينِي باسْمِي نِداءً خَفيًا، بعْد أنْ اسْترْجَعَ شيْئا مِن ذَاكِرتِهِ المَنْكوبَة، يَسْألنِي بِلطفٍ وكأنّهُ يتَرَجَانِي: كيْفَ حَالُك يا سي مُحمّد؟ هُو لايزَالُ يُلازمُ كُرْسِيّهُ ويُداعِبُ عَصَاهُ، ومِنْ جَديدٍ يسْتحْضِرُ اشْباحَ ألذاكرَة، فيَقول: يُعْجِبُنِي الزَّمَان حِينَ يدُورُ، هِيّ الظرُوفُ سَرَقَتنِي، كمَا سَرَقت وُجَهَاءَ القوْم ورِجَال الترْبيّة، لايَعْنيني أنْ تنَتهِي الْحَيَاة اليَوْمَ أوْغَدٍ، فأنا اتسَلقُ سَنوَاتِ الْعُمْر بهُدُوءٍ، يَهُمُّنِي أنْ أجِدَ مَنْ يُحَدّثِني ويُصْغِي إلَى خَلجاَتِ نفْسِي، كُل شَيْءٍ فِي المدِينة يُفْضِي إلَى ألنسْيان، يقِفُ فِي رَهبَةٍ وخشُوع كالشّجَرَةِ الّتِي فقدَتْ ثِمَارَهَا، يَتطلع ُإلى جَسَدِ الْحَيَاةِ عَسَاهُ يسْتعِيدُ ألْهُدُوءَ ونَضَارَةَ الْمَشْهَد، يتقدَّمُ نحْوَنا كالمُتودِّدِ المُسْتعْطِف يَجُرُّ رجْلاهُ، يمدُّ يدَهُ يُصافِحُنِي بلطفٍ، يَنظرُ إليّ بعَيْنيْه الضّئِيلتيْن اللتيْن تجُولاَنِ فِي كُلِّ ألاتجَاهَاتِ تَعْتَصِرُهُ رَجْفةٌ وَالعُيُونُ ترْمُقُهُ.

02- دَعَوْتهُ إلَى الجُلوس مَعَنا فَجلسَ مُبْتهجًا، تدفَّقت كلمَاتهُ الْعَذْبَة شَلاّلا تهُزُّ المَشَاعِرَوتُنعِشُها، يَتذكّرُ الاصْدِقاءَ وَرِفَاقَ الدّرْبِ، يتذكّر تِلْك الايّامُ الخوَالي، أيَامًا حَابِلةً بِالْمَسَرَاتِ، ندَواتٌ ومُلتقيات جَمَعْتنا ذاتَ حُضُورٍ فِي السّاحَةِ الترْبَويّةِ، هُو مِنَ الذِين كانَ لهُم الدَّوْرُ الكبِيرُ فِي تَنْوِير جِيلٍ الاسْتقْلال مِن الشَبَاب، غرَسَ فِيهِم الخِصَال الْحَمِيدَة، العَفوُ والتسَامُحُ، الثِقة فِي النّفس، الثقافَة الوَطنيَّة الأصِيلَة، تحَمُّل المسْؤُوليّة كاتْرَابِهِ بوَعْيٍ وإخْلاصٍ، ولاضَيْرفِي ذَلك، فهُو مِنَ الأوْفِيّاءِ للرسَالةِ التربَويّة “..هُمْ القوْمُ لايَشْقَى بِهِمْ جَلِيسُهُمْ..” تدْمَعُ عَيْناهُ فيُنَكِّسُ رَأسَهُ، وبَعْد تفكيرومُسُاءَلة تذكرْتهُ، يَا إلهي..إنَّهُ الشيْخ سي عُثمان، قلتُ لهُ دَعْنِي أقبل هَذهِ اليَد المُرْتَجِفةِ، ياللعَجَب..! تغيّرَت ملامِحُ الرّجُلَ تمَامًا، تَرَهَّلَ وَغَزَاهُ الشيْبُ، تعَرّفتُ عَنه، إنهُ واحدٌ من الاسَاتِذة الْبَارزين، سَاوَرَتْهُ دَهْشَةٌ قطعَهَا، وبَعْدَ تفْكِير يقُول: اهْلا بِكَ فِي بَيْتِك وَفِي مَدِينتِك العَامِرَةِ، الرَّعيلُ الأوَّلُ مِن رجَال الترْبيّة، ترَكُوا أثرًا طيبًا، صَنعُوا لأنْفسِهِم مَجْدًا تليداً، ولطلبتِهِم مُسْتقبَلا زَاهرًا، كتبُوا اسْمَاءَهُم عَلى صَخْرةِ الذاكرَةِ بحُرُوفٍ مُضِيئةٍ، فبَنَى لهُم النّاسُ فِي النُّفوسِ تمَاثِيل الْعَظمَةِ..قِصَصًا يَروُونَها، مَلاحِمَ لا تُمَلُّ، جُمُلا وكلمَاتٍ واخِزَةٍ تَتردَّدُ، تحْمِلُ مَوَاقِفَ انْسَانِيّة نَبِيلة، يَرتفعُ الصَّمْتُ وقد رَانَ ..هَمْهَمَاتٌ وَدمْدَمَاتٌ، يَضْربُ بقوّة فخِذَهُ، تَتوَالَى زَفَرَاتُه، لمْ يُطِقْ صَبْرًا..ينْظرَ إلى الرِّفاقِ نظرَة عِتابٍ، يقول: الأشياء من حوْلنا لم تعُد تُشبهُنا، لقد حَمَّلونَا وزْرَ النَوَايَا وتجَاهلُونَا، لسْنا شُذَّجًا، وليْسَ كُل مَن تدْمَعُ عَيْناهُ حَزِينًا، وَليْسَ كلُّ مَنْ يَضْحَكُ مَسْرُورًا، تحَشْرجَ صَوْتهة وَاحْتبَسَتْ الْكلِمَاتُ فِي حَلْقِهِ، وكادت أن تتقلص عَضَلات وجْهه، فغَمْغم وبَكى ثمّ قال: الدّمْعَة تَنْزلُ لوَحْدِهَا شِئْنا أمْ أبَيْنا، دُونَ أنْ يَحُسَّ بهَا أحَدٌ اوْيَرَاهَا، لعْلعَت كلمَاتُه ُوكأنّهُ يسْتأنِفُ البُكاء ويقُول: لا أحَدَ يَفهَمُنا ويَتَحَدّثُ إليْنَا قلتُ: مَهْلا ياصَديقي: الامْرُ غَيْر مُسْتغرًبٍ، المُرَبِّي حَيٌّ فِي النفُوسِ الطيِّبة، يلتفتُ يَمْنة ويسْرَة ثمّ يقول: الْعَاقِل مَنْ قيّدهُ الْعَقلُ، يَنْظر مِن حَوْلهِ، ثم يسْتأنِفُ حَدِيثهُ: ثمّة اشْيَاءٌ خَطيرَةٌ اخَذَتَ تظْهَرُ وتَعْلو فِي مُجتمَعَاتِنا ثمّ تَغيب، رَاحَ يَبُثّ حُزْنَهُ وشَكْوَاهُ، {الشَّكْوَى لغَيْر اللهِ مَذلَّة} يَرْفَعً صوْتهُ: ليْتني مِتُّ ولمْ اجْلبَ لأهْلي العَار، وللمُجْتمَع الشّقاءَ، هًل الأمَلُ يمُوتُ فِي الإنْسَان؟ قلت: الأمَل لايمُوتُ، لكنّهُ يَخْتفِي عِندَمَا يَتلاشَى التفاؤُل، هُوكالحُبِّ تمَامًا يمُوتُ عِنْدمَا يمُوتُ الودُّ ونفْتقدُ ألوَفَاءَ، لكن مَن يتوَكلُ عَلى الامَل يمُتْ كمَد،ً يسْكُتُ بضْعَ ثوَانِي ليَفتحَ المَجَال للأصْدِقاء، يسْألون..يتجَاذبُون اطرَافَ الحَدِيث، ولِلْحَديث مَع الكِبَار عُذُوبَة وطعْمٌ خَاص.

03- يَجْلسُ الشيخ عُثمان مُترَصِدًا الذّكرَيَات الْهَاربَةِ..يُتابعُ اطيَافهَا باهْتمَام، يَسْمَعُ بوَعْي، يَتخيّل، يُعْمل عَقلهُ، يقومُ بعمليّة غرْبلةٍ واقتِنَاءٍ لِمَا يسْمعُ ويَرَى،.يمْتطي احْدَاقَ عيْنيْه الكبِيرَتيْن، يسْأل ولا يقتنعُ بأجْوبَة الآخَرِين، يُرْهِفُ السّمْع..يلتزمُ الصّمْت، يقول: لاشيْءَ يَنفعُنِي سِوَى الصّمْت، ولاشيْئ يمْنعُنِي أنْ أسْأل القلبَ، في دُرُوبي ابْتسَامَاتٌ تُضِيءُ لِي مَعالِم السُّبل،لا أترُكُهَا تَضِيعُ سُدَى، يسْتحِيلُ أنْ اصْمُت فِي المجَالس.. ثم لا يلْبَث أنْ يَسْتأنفَ حَدِيثهُ شاكيَّا مُتألمًا ويَقولُ: حِينَ يمْضِي الْجَميعُ، نَشْكو إلَى الصَّمْتِ أحْوَالنَا،
وأحْيانا الصّمتُ يَذبَحُ صَاحِبَه، اذْ لابُدّ “..أنْ تعُودَ لقطِيعِهَا النَّعْجَةً الْعرْجَاءَ..” يضَحَكُ ضحْكة بلْهَاءَ سَاخِرَة، واحْسْرتاهُ..! المُثقفُون عِنْدنَا نكّسُوا أقلامَهُم وَلاَزَمَهُم أليَأسُ، اخْفوْا طمُوحَاتِهم، انْدَسُّوا فِي مَجَالس الْعَوَام، تَنازَلُوا عَنْ افكَارِهِم المُتصحَّرَة لغيْرهِم، يُغْبِطهُم الأعْدَاءُ عَلى مُداعَبَة كؤُوس الْغبَاء، الْمَدِينة اسْتكانَتْ للخًمُول، فمَن يُحَرِّكُ الرَّاكِدَ؟.. أجَل..المُثقفُون يَلوكُون كلامًا مُسْتَهلكًا، يُردّدُونَ الشَّتائِم كالْبَبغَاءَ، قهْوة ٌ ونومٌ، عِتابٌ ولومٌ، تكفيرٌ واتّهَامَاتً بالجُمْلة، قلتُ:َهَل نسْتنْبتُ فِي الرِّمَال البُذُورَ؟ وقد احْتلت العُقول، بل صَارَت تُقتل على أيَادي اشْباه المُثقَفِين، آسِفٌ..لقد شَنَقُوا كَرَامَة الْبَلدِ، وَمَنْ أدَارَ ظهْرَهُ للوَطنِ مَاذَا نُسَمِّيهِ؟ هُم تعَلقوا بأهْدَابِ الوَهْم، إنّهُم يَفتَخِرُون بمُنتوجَاتِ غيْرهِم، يَتهاوَنُونَ فِي أدَاءِ الوَاجِب، يتحدّثون بإسْهَابٍ عن الرَّدَاءَة وَهُم جُنودُهَا، يدَّعُون أنَّ الاخْفاَقاتِ سَبَبُها سُوءُ التسْيِّير، وتدَنِّي المُسْتوى سَببهُ الْعُنْفُ والفسَادُ، هَذا حَدِيثهُم..و”..البلاءُ مُوكلٌ بالمنْطقِ..” أليْسَ كذلِك؟ المُصْلحُون أحْيَانا هُم الضّالعُون فِي الفسَادِ، أمْوَالٌ طائِلة تُهرَّبُ، أخْرَى تُنفقُ في سَبِيلِ الشّهَوَات، الصيْدُ كلُّ الصيْدِ في جوْفِ الفرَا..حَفّزتْنِي هذهِ الخواطر،حتى وإن حَجَبَتْ الْمَعْنَى، قلتُ له: لمَاذا تأخّر المُسْلمُونَ وَتقدَّمَ غيْرُهُم؟ قال:اعْرِف هُمْ ضَحَيَا، ولما دَعَانِي لأبسُط لهُ ردَاءَ الاحْترَام، لبَيْتُ دَعْوَتهُ ومن جَدِيدٍ التقيْنا.
قال :إنّهُ الصَّدَى الذِي نسْمَعُه يَترَدَّدُ، نَكتبُه نِيّابَة عَنْ صَخَبِ الأصْوَات، فِيه نَقرَأ اسْئِلة تَخْتفِي وَأخْرَى تطفُو فِي الْمَسَافَات، اشْوَاقنا تَتنَاثر، نُحَاوِلُ أنْ نَكبُر فِي عُيُون الأجْيَال، نحْنُ مِن الذِين يَنْحَتُون غيْمَة تغُوصُ فِي الأفُق، ليزْدَادَ الفَضَاءُ اتِّسَاعًا وبهْجَة، تتَوَهّجُ قنادِيل السّمَاءِ ويَخْتفِي الظلامُ الدّامِس، الْمَدِينة تحْتضِنُ كَائِنَاتٍ بَشريّة، تمْنَحُ الانْسَان كلَّ يوْمٍ رُوحًا جَدِيدَة وأخْرَى مُتجَدِّدَة، ليَقِفَ ذلك الانْسَانُ السّوِيّ عَلى رِجْليْه دُونَ الاسْتعَانة بالعُكّاز، رَغْم أنَّه يَتجَاهَل المُعًوزِّين، ومَن ليْسَ لهَم حُضُورٌ قوِيُّ فِي السَّاحَةِ، هَؤُلاءِ وأوْلئِك يَعِيشُون فِي الْهَامِش، يَصْنعُون افْراحَهُم بأنْفسُهم، وأيْدِيهم لاتمتدُّ بعيدًا، اطفَالهُم يلامِسُون الْعُشبَ بأفوَاهِهم، لا يَأكُلون شيْئا إلاّ الحَصْرَم، الأزْهَارُ من حَولهِم تتقافزُ، ترْقُصُ عَلى رَحيقهَا الفرَاشَات وتتنافسُ، فِي تِلك الحُقول الْمُضَاءَةُ بالأمَل.. مَاذَا أرَى؟.

04-يسْألنِي بمَرَارَة: هَل هَبّت الريّاح عَاتيّة؟ هل تدَعِي أنّها مَسْؤُولة عَن غِذائنَا وَمَلابِسَنا؟ لاشّك أنّها تُشْفْي أمْرَاضَنا، وهِيّ تعْرفُ أخْطاءَنا وأمْنَنا، ومَا ارْتكبَ البُلهَاء مِنْ حَمَاقاتٍ، تسْخَرُ مِنْ قَوْم تبَّعٍ، تُحَذّرُنا قبْل أنْ تتفجّر الْبرَاكِينُ؟ لمَاذا تتجَدّدُ فقاقيعُ خَوْفنا مِنْ تِلْكَ النَّكِراتِ، كلمَا احْتفلنا بمَاضِينَا، هل لايزَال لنا حَنينٌ إلَى المَاضي؟ هوّن عَليْك سَيدِي فِي البلادِ يًوجدُ من يُريدُنا بُلهَاءَ وبلا ذَاكرَةٍ..؟ يُريدُنا أن نبْقى تحْت مَخَالِب التخَلُفِ بِفكرٍ مُتلبّس.. اجَل..هُم كثيرُون، أنَا وأنْتَ وغيْرنا لاننْكرُ جَهْلنا، لكن نخْتفِي خلفَ خيُوطِ عُيُوبِنا، ونجْهل فوْق جَهْل الْجَاهِلينَ، نُحَاولُ أنْ لانمُوتَ مَعَ الْمَوتَى، لكنْ لِصَالح مَن يُفكرهَؤلاء؟ هُو يعْلم أنّنا لانُفكر، فتفكيرُنا يرَاهُ مُجَرّدَ تخْمِين، لمَاذا الخِرَافُ تلتهِمُ العُشْبَ بشرَاهَةٍ؟ هَل تعلمُ أنّ فِي الْجَنائِز وَلاَئِمَ، لإطعَام أصْحَابِ الْمَقابِروالسَّدَنة؟ إنّهَا تلتطقُ الأحْزانَ من بُؤْسِنا لتصْنعَ مِنها فُرْجَة، وأحادِيث تُرْوَى فِي المَجَالس، هل نحْن كائِناتٌ نسْتثمِر فِي الجَّهل، وفي الكذِب عَلى العيّال؟ هل نحن نصُوغ مَعاجِم أحْزانِنا بأنفسنا ؟ ألا ترَى يا سيّدي أنّ أحْلامَنا مُصادَرَة؟ وأنّهَا عَصيّة عَلى الفَهم؟ هل لنا أحْلامٌ تُشبهُ أحْلامُ العَصَافير؟ أمْ هيّ مُجَرّدُ اضْغاثُ أحلامٍ ؟ اصْوَاتُنا مُبْحُوحَة..إي واهيا..لاتصِلُ، عيُوننا لاترَى إلا الصوّرُ الباهِتة، أجْهزَة التواصل لديْنا كثيرةٌ لكنّها مُعَطلةٌ، لمَاذا انْسَانيتنَا انكمَشتْ ولم تعُد لدَيْنا انْسَانيّة الانْسَان السَويِّ؟ انْكسَرَت الرَوابِط ُ وضَاع ألاحْترَامُ، من الذي ينْشر أشْوَاك جُرْحَنا؟ من الذي يدْمي القلوب ويُبكي العُيُون؟ احَاديثنا غَير مَسْمُوعَة ونحْن نشْتغل عَلى اسْتنطاق العِتاب، أجَل.. كيف نفْهَمُ بعْضَنا وفِي الْمَدِينَة أنَاسٌ يَتطاوَلون، لهُم الوَلاَءُ المُطلق لأعْدَائِنا، هُم يَرْفضُون كلُّ مَاهُو جَمِيلٌ مِن اجْل الرَّفْض ليْسَ إلا؟ عَرَبَاتُنا لاتزَالُ بدَائِيّة، يعْتريهَا الصّدأ، يَجُرُّها الصَّمْتُ واللامُبَالاة، غذاؤُنا مَجْهُولُ المَصْدر.؟ مُغامَرَاتنا مُفلسَة، مُضْحِكة مُؤلمَة..مُزْعِجَة، لا احَد يُحِبُّ الخوَنة حَتى أعداؤنا يحْتقرُونهُم، لكن يسْتخدمُونهُم بذكَاء لأغْرَاضِهم الدّنيئة، ألْعَقُ مِدَاد قلمِي حَتّى لا أصَاب بالإحْبَاط، اطوي أوْرَاقِي إلى حِين، كيْ لا أصَابَ بالضّجَر.

05- هَا أنَذَا احْتفظ بالكثِير مِنْ اسْرَارِ الطفُولَةِ فِي دَفَاترالعُمْر، والطفُولةُ مرْحَلة مُعَطّرَةٌ بِالْعُذُوبَةِ وَالْمَرَحِ، هيَّ مُنعَطَفٌ يَفِيضُ حُبًّا وَحَنَانًا، لِلإنْسَانِ فِي طفُولَتهِ كيْما فِي شَبَابِه وَكُهُولتِه ذِكْرَيَاتٌ جَمِيلةٌ دَافِئةٌ، لمْ أجِدْ فِي مُنْعَرَجاتِ حَيَاتِي سِوَى عُكّاز الطفُولةِ اتَوَكّأ عليْهَا، وشيْءٌ مِنْ مَزيجِ حِكايَاتِ الجدّةِ وأحْجِيَّاتِهَا المُسَالِمَة احْتفِظ بِهَا، وَالْجَدّ المُتسَرْدِكُ، ذلِك الرّجُل الذِي كَانَ يَنْظرُ إليْنَا بِصَبْر، ينْتَظِرُ خُرُوجَنَا ودُخُولَنَا، ومُرُورَ أرْوَاحِنَا، وَمَا هَمَسَت بِه الأيّامُ، يوْمَئِذٍ كانَتْ سَمَاؤُنا صَافيّة، الشَيْءُ الْوَحِيدُ الذِي نَذكرُهُ ونَتَذكرُهُ، أنَّنَا ترَكنَا طفُولتنَا فِي الْبَوَادِي والحُقُولِ، وقُرْبَ البَيادِر تحْرسُ الطيُورَ، نَسْتثمِرُ فِي صيْدهَا، كنَّا نسْتدْرجُهَا إلَى حيْثُ حبّاتُ القمْحِ تلْمَعُ، والدُودُ الذِي جَمعْناهُ يَتحَرّكُ عَلَى دبَابيسَ الفخَاخ، كنّا يوْمَهَا نُردِّدُ كلمَاتٍ خجُولةٍ لا نعْرِفُ لهَا معْنَى{سَبّيح تعْمَى وأطِيحْ} فيقعُ الطائرُ الجَمِيلُ { سوَّاق الابل} بَيْن كمَّاشَتَيْ الفَخ، نبْتَهجُ، نَرْكضً لِفَكّ رَقبَتِهِ، هُو طائِرٌ يَتبَاهَى بمَشْيَتِهِ السَّرِيعَة وَبجَمَالهِ الْفَاتِن، هُوَ بِلاَ شكٍّ مخْدُوعٌ كالأَعْرَابِ المُسْتدْرَجِين إلَى مَصِيرٍ مَجْهُولٍ وَفِخَاخٍ تُنصَبُ لَهُمْ وَهُمْ لاَيُنْتبِهُون، يَالَهُ مِنْ وَقْتٍ جَمِيلٍ ! قلتُ لهُ: وأنَا مِثلُك اذُوبُ حَنِينًا، كلُّ مَا فِي الْحَيَاةِ يوْمَئذٍ كانَ جَمِيلاً ! صُوّرُ الامْسِ غَيْرُ مُشَوّهَةٍ لًمْ تًمَّحِي مِنَ الذَّاكِرَة، يُمْكِنُ للأفْكَار أنْ تَتجدّدَ، أنْ تَتَوَالدُ بعْدَ اسْتِعَادَتِهَا وَتنقِيَّتهَا مِن الشوَائِبِ، يهْمِسُ قائِلاً: احْذِرْ يَاهَذَا الأفْكَارُ الْجَدِيدَةِ أحْيَانًا تحْمِلُ التَناقُضَات، تمَهَّل سَيّدِي، الّذِي يَزْرَعُ الافْكاريتعَهَدُها، يَنْتظِرُ قَطْفَ الثمَارِ والأزْهَار، لاَ يَشْتَغِل بِاللّهْوِ وَالْهَذيَان، فَلاَ تترُكُ يَا صَدِيقِي سَمْعَك عُرْضَة لصَخَبِ الاصْوَاتِ العَابرَة، دَعْ الكلمَات تمُرُّ”..فمَنْ لاَنَتْ كَلِمَاتُهُ وَجَبَتْ مَحَبَّتهُ..” لاتِشْغِل نَفْسَكَ بِالأوْهَامِ المُتعمْلقةِ، تَعَلّم الانْصَاتَ الْجيّد للأشْيَاءِ المُبْهِجَةِ، فمِنْ خِلالهَا تكتشِفُ ذَاتك وَترَاهَا، يُمْكِنك أنْ تُرْسِلَ إلَى مُسْتمِعِك رسَالَة، أوْ مَاهُو أجْمَل مِنَ الرِّسَالةِ {تغْرِدَة} تأكّد أنّ الأذْنَ تعْشَقُ قبْل الْعيْن أحْيَانًا، خوَاطِرِي كثيرَةٌ، اجْمَعُهَا وأقْرَؤُهَا حَتَّى يَسْمَعُهَا المَوْتَى، رُبَّمَا يُغبِطنُي الأصْدِقَاءَ، ومَنْ يزُورُني فِي بيْتي، وَمَنْ الْتقِي بِه فِي المُناسَبَاتِ، مَدِينتُنا سُميّت مَدِينَة الأمْوَات، لمَاذَا سُميّت بِذَلك؟ اتَى الْمَوْتُ فِيهَا عَلى المُفكّرِينَ والمُصْلحِين والحُكمَاءَ مِنْ كبَار القوْم، مَاتُوا كمَدًا،والذِينَ نَسِيَّهُم المَوْتُ اصَابَهُم التوُحُّد، النسَاءُ الارَامِل تَكاثرَن، كأنّهُنَّ يَتوَالدْن، يَذْرفْنَ الدَّمْعَ بِسَخَاءٍ، يُوَزِّعْنَها بالْمَجَّان عَلى الْمَارَةِ، يَتهَاوَمْن فِي الشوَارِع، يُقاومْن الإعْيَاء، في عُيُونِهنّ شيْءٌ مُبْهرٌ لاينَالهُ أحَدٌ، عُيُونُهُن خَضْرَاء تلتهِبُ بدُون حَيَاءٍ، هنّ فِي الاسْوَاقِ مُتجوَلات، أخَذْنَ نَصِيبَهُن مِن السيّاسَيةِ بدُونِ عَنَاء، هُنّ يُكَسِّرْنَ المَحْظورَاتِ، يُطالبْن بالمُسَاوَاةِ، الرِّجَالُ فِي البيُوتِ اسْتكَانُوا للخُمُول وللذُبُولِ، يُرْهفُ حَوَاسّهُ، يُدْرِكُ أنْ لابدّ من أنْ نسْتقْطِرَالْحِكمَة من غُيُوم الحَيَاة، فَهيّ خادِمَة للأخْلاق، ولَعَلنِي لاَ اخْطئُ كثيرًا اذْ قلتُ، أنّهُ اخْتلط فِي اذْهَانِنَا الحَابِل بِالنَّابِل..وخَرَجْنا مِنَ الْخَلِيطِ إلَى التَخْلِيط بِحيَاةِ شبْهُ مَطمُوسَة، صَارتْ ذَاكِرَتنَا كنخْلة مرْيمَ لا يُسَاقط ثمارُها إلا بِهزٍّ عَنيفٍ.

06- هاهو الشيخ عُثمان يَظهَرأمَامي فَجْأة، يَغْمُر وَجْهَهُ الْمُتغًضِّن طيْفٌ مِن ألانْكسَار، يَجُولُ بِبَصَرِهِ قلِيلاً ثمّ يقول بعْدَ تفْكيرٍ: اسْتمِعْ إليَّ أيّهَا السَيد الكَريم، لقدْ أجْلِىَّ إليَّ الأمْرُ، وأنَا اسْترْجِعُ الأيّامَ الصوَارمَ، اتسَاءَلُ بِمَرَارَةٍ :وَأسْئِلتِي كَانَتْ حَارِقَةً، لمَاذَا اخْتفَى الزُّمَلاءَ مِن السَّاحَةِ الثقافيّةِ كمَا يَخْتفِي الشبَحُ فِي الغَابَة؟ لقدْ ذهَبُوا إلَى حَيْثُ لا ندْرِي! إنّ نفُوسَ المُثقّفين والسيّاسيِّينَ ورجَال التربِيّة بِخَاصَة غَارِقَة فِي امْوَاج مِن الانْفعَالاتِ، ياسَيِّدي ليْسَ فِي امْكانِهِم ازَاحَة العَقباتِ والتوَهّمَات وكنْسِهَا، مَا يَمْلأ النفُوسَ من ضِيقٍ وحَيْرَة ويَأسٍ مُرْبك، يَجْعلهُم عًاجِزين، لايتحَقّقُ لهُم النّصْر إلا بإضَاءَةِ الطريق، وإزَاحَة مَا فِيهَا مِن حَواجِزَ وعَثرَاتٍ وأشْوَاكِ، لكِنْ مَنْ يُزِيحُ هَذِهِ الْعَثرَاتِ ويُوقِدُ الْمَصَابِيحَ الْمُطفَأة ؟ للأسَفِ، الكُل مُتفرِّج ويُفضِّل الظّلامَ، مَشْغُول بتوَافِه لاَ مَعْنَى لهَا، لحُسْن الحَضِّ لَمْ يذهَب جُهْدَنا ادْرَاجَ الريّاح، حَتّى وأنْ لمْ يعُدْ تلاميذَتنا صَدَقة جَاريّة، فلمَاذاَ حُرمْنا مِنْ هَذا التكريم..؟ لمْ يَعُد لنا وجُودٌ فِي النفُوس الطيّبَة؟ أليْسَ كذلك؟ لِمَاذَا لمْ يعُدْ لَنَا صوْتٌ مسْمُوعٌ؟ الاجْوَاءُ مُدْلَهِمّة لم تَعُدْ مُناسَبَة، حَتّى الكتبُ التِي كانَت تؤنِسُنا، ونعْتبرُهَا ضرُورَة من ضرُوراتِ الْحَياة، لم تعُد مُفيدَة ولا مُغْريّة، صَارَتْ لا تلبِّي رَغَباتِنا، لعَلّنِي مِن النّاس الذِينَ اكتسَبُوا عَادَة القرَاءَة فِي وَقتٍ مُبكرٍمِن حَيَاتِي، أنَا فخُورٌ بذلك، لكِنْ وَا أسَفاهُ..! صَارَ العزُوفُ عَنِ القِرَاءَة شيْئا مَألوفًا نتبَاهَى به، وصارَتِ الهوَاتِفُ المحْمُولة خيرُ جَليسٍ في المَجَالس ” وَفِي المُجَالسَةِ مُؤًانًسَة..” تسْمَعُها تئِنُّ دوْمًا، هل الهواتفُ صَارَت خيْر رَفِيقٍ فِي الطرِيق مِن الرّفِيق ! أولَيْسَ من شرُوط الْمُرَافَقةِ الْمُوًافقة ؟ الثقافَة الفيْسبُوكيّة هَيْمَنَت عَلَى العُقول، روّجَ لهَا العَاطِلُونَ والفَاشِلُون، فاسْتحوَذَت عَلى النّفُوس، رَضِيَّ بها المُجْتمعُ وتبَناهَا بدِيلاً، اعْتمدَها الدَّارسُ والمُدرِّسُ مَشْربًا ومَصْدرًا، فَهَل نُديرُ ظهُورَنا للعَواصِف والأهْوَال القادِمَة؟ ياه..أبعْدَ الرّجَاء اشبعُونا هَوَانًا ؟! بَاعُوا مُقدّسَاتِنا با بْخَس الأثمَان، تَهَافتوا عَلى الْخَنَازِير يُقِبِّلونَ رُؤُوسَهُم، يَمْنحُونَهُم الْجِزْيَة وهُمْ صاغِرُونَ، لقد رَانَ عَلى قُلوبهِم، ومَاتَ فِي احْدَاقِنا الْعِتابُ، هرَبَت عَصافِرُنا مذعُورَةً، طارَ الْحَمَامُ ولمْ يَعُد هُناك سَلامٌ “..وإنّ البُغَاثَ بأرْضِنَا صَارَت تسْتَنْسِرُ ..” أقدَرٌ هَذَا عَليْنا أنْ نبْقى هَملٌ مُتخلفِينَ ..؟! ايُّها الزّمَانُ رِفْقا بالعيّال، فليْسَ للمَاضِي رجُوعٌ، وليْسَ للحَاضِر رجَاء، تِهْنا وَتاهَ ابناؤُنا فِي المَآسِي والمَلاهِي، وتاهَ مَنْ تاهَ خلفَ أسْوَار الأمْنيَّات “..والأمْنِيّات مَقابِرَ الْحَمْقَى..” شَغلتنا أمْوَالُهُم وصِنَاعَتهِم المُرْعِبَة، وأهْلنا مُتشرْذمُون، وَقَعْنَا فِي حَبَائِلَ الشَيْطَان، وقَدْ كنّا خيْرَأمّةٍ، فأيْنَ الْخَيْريّةِ؟ يا إلهي..صِرْنا نَنْتظِر الأوَامِر، جَوَّعُونا..سَخِرُوا مِنّا..فَهل نهْرُبُ من طعَناتِ العِتاب؟ أمْ نصْمُدُ وقدْ اكتسَبْنا عَادَات الصمُودِ والتحمُّل بدُون مُقاوَمَة، اطلق نَفسًا طوِيلا، وزَفْرَة مَمْزُوجًا بِحَسْرَة التنَهُد، اخْتلجَت شَفتاهُ واهْتزَتْ، التمَعَتْ فِي عيْنيْهِ دُمُوعاً كانْوَارِ الأمَل، قال: دَخَلُوا مِنْ عُيُونِنَا فَانْبَهَرْنا، وَلَمْ نَجِدْ أجْمَلَ مِنَ الصَّمْت فَصَمَتْنَا، فلمَاذَ نَصْمُتُ ؟. …/…

07- الوَقتُ كَالعُمْر يَمُرُّ سَريعًا، تَتَلاَشَى أطْيَافُهُ، نَلْهُو بِالنّجُومِ اللاَّوَامِعِ فِي زُرْقَةِ السَّمَاءِ، نَتَشَبَّثُ بِرُوحِ الْمَرَايَا، المَشَاعِرُ مُتَنَاثِرَةً، والحُرُوفُ مُبَعَثْرَةً، تُدَاعِبُ الذَّاكِرَةُ الحَزِينَةُ، احَاسِيسٌ رَهِيبَة وَحَسْرَةٌ، أصْدَاءَ مَجْهُولَةِ تغْمُرُنا، لمْ تعُدْ القلوبُ تسْتوْعِبُ مَاقيلَ ويًقالُ، فالْمَسَافاتُ تتَمَدَّدُ.. تَتَرَآى..والبُعْدُ اوْسَعُ مِنَ طلاَسِمِ الْخَرَائِط، نقْطَعُ الْمَسَافَاتِ والأزْمَانَ بدُون وَعْي، نَسِيرُ فِي مَبَاهِجَ ألأذَى بِأقدَامٍ حَافِيّةٍ، فِي خَوَاطِرَنَا شَوْقٌ إلَى السَّفَر، اطيَارُنا ترَحَلُ كُلُّ صَباح، اضْنَاهَا الْحَنِين، اسْرَابُ النَّوَارسِ ضَلّت طَريقَهَا، لمْ تهْتدِي إِلَى اوْكَارهَا، لمْ نَفْعَل شَيْئًا لإضَاءَةِ دَهَاليزَالطَّرِيقِ! مَاقُمْنا بِه مُجرًّدَ هَذيَانٍ ولُهَاثٌ خَلفَ السَّرَابِ، نُلَمْلِمُ شُتَاتَ الرَّوَابِي والتِلاَل، مَا أكثرَ التَائهِين..الْفَاشِلينَ..الْمُحْبَطِين..! يَتنهَدُ الشِّيخُ صَابُور، يَقول: مَهْلا.. نَحْنُ أمّة تُحَطِّمُ رِجَالهَا، تَتهِمُهُم بالخيّانَة، تَقْتل فحُولَهَا، تَئِدُ نِسَاءَهَا، لمْ يَسْلم احَدٌ مِنَ النَّقدِ والتّهَم العَارِيّة والتخْوين، يَرُدَّ عليْهِ الشَيْخ عُثمَان مَشْحُونًا بِالْعَوَاطِفِ: نحْنُ رَهَائِنَ لمَوَاقِفَ دِفاعيّة تَعُجُّ بِالتَهْوِيلِ، لدَيْنا هوَامِشَ مُتاحَة، لَمْ نُحْسِنْ اسْتغلالهَا، نَكتفَيْ بجَمْع الْخرْدَوَات، نُرَوّجُ للفِكْر الْوَافِد وللأكَاذِيب، نَتسَاءَلُ:لمَاذَا صَارَ المَاضِي يَعيشُ فِينَا بِسَلْبِيّاتهِ؟ يَقُولُ: لمْ نعُدْ نُفَكّرُ في حَاضِرنَا، ليْسَتْ لدَيْنا قابليّة للتفْكير، تتدَخَلُ السيِّدَة فتِيحَة، تَقولُ: نَتألمُ دَوْمًا ونَشْكُو بُؤْسَنَا، وإذَا سُئلْنا لا نُجيبُ، فلمَاذَا لانُجِيبُ ومَدْرَسَتُنَا مَنْكُوبَة؟ وتِجَارَتُنا كاسِدَة؟ وَالصَّمْتُ يَلُفُّنَا بِردِائِهِ، يُجِيبهَا الشيْخُ عُثمَان:”..ليْسَ كُلّ مايُعْرَفُ يُقَالُ..” الامْرُ مُحيّرٌ..نحْنُ نعْرفُ كلَّ شيْءٍ، كمَا نعْرِفُ جُيُوبَنا ومَا فيهَا، لَكِنْ نَتجَاهَلُ مُحِيطنَا والرَّأيَ الآخَرَ، فِلمَاذَا هَذَا التجَاهُل؟ هَلْ هُو الخَوْفُ أمْ الغَبَاءُ؟ أمْ هُو مُجَرَّدَ تجَاهُل؟.آهٍ ..يا جُرْحَنا المُكابِرُ، صَارَ الْوَجَعُ يَكتُبُنا بمَرَارَةٍ، نرْتكِسُ إلَى خيْبةٍ مَاحِقَةٍ، كنّا رجَالاً مُخْلصِين وكفَى، فعابُوا عَنّا الإخْلاصَ، قالُوا عَنّا: تافِهِينَ، بُسَطَاءَ، شُذَّجٌ، لاَ شَأنَ لنَا بمَا يُذاعُ ويُقالُ، نَحْنُ فِي زَمَانٍ عَصِيبٍ، تسَاوَى فِيهِ الحُبُّ بالكَرَاهِيّة، والعِيّال بالغُرْبَاء، وَالْمُتَعَلِّمُ بالْجَاهِلِ، كُلُّ شَيْءٍ صَارَفِي طَيِّ الْكِتْمَانِ، فهَل تعْنِينَا تِلْك الْهَرْقَطَات؟ ما يُرَوِّجُ مِن الأ كَاذِيبُ الْبَيْضاءَ مُخْجِلٌ، ومَا يُمَارسُ مِن خِدَاع عَلى مَجْتمَعَاتِنَا البَرِيئْة هُو مُجرّدُ انْبِطَاح، يسْكُتُ بعْضَ الْوَقْتِ، وهُو عَادَةً لايُطيل السُّكُوتَ، أقولُ لهُ: إنّهَا مُمَارسَاتٌ جَدِيدَةٌ لمْ نعْهَدهَا مِنْ قبْلُ، ظوَاهِرَعَابرَةٍ للحُدِودِ، آخذَةٌ فِي إلا نْتشَار، وبحَسْرَةٍ وألمٍ يَهْتزّ ثمّ يقُول: {لااسْتطيعُ ردًا لمَا مَضَى**كمَا لايُردُّ الْحًليبُ فِي الضّرْع حَالبُه} يَاسَيِّدِي لا نمْلِكُ شيْئا غيرَ ارَادَةِ الحَيَاة وحُبِّ البلادِ، قال مُتَعَفِفاَ: خَلفَ نوَافذُ الظلاَمِ يَتدَثَّرُالمَهْزُومُون بالنُّورِ وألحَنِين، يُخْفِي ابْتسَامَةً راعِشَة فِي عُمْقِ الْعَتمَةِ، وهُو شَاردُ الذِّهن، كثيرُ الْحَرَكةّ، لمْ يَعُدْ فِي حَاجَةٍ إلَى جَوَابٍ مُقنْع، الأسْئِلةُ الْحَارقَةُ هَشّةٌ، تتهَاطلُ عَلى الرُّؤُوس بِلاَ مَعْنَى، وبسُرْعَة البرْقِ تذُوبُ، .ينْصَرِفُ العَجُوزُ بَاسِمًا، يَضْربُ الارْضَ بعُكازهِ، يقول: سَنَلتقِي غَدًا، إليْك هَذِهِ الكُرَّاسَة اقْرَأهَا بِعِنَايَة، ومَعَك أرْقامُ الهَاتِف، فِي الشّارِع مَطَاعِمَ كثِيرَة، ابْحَثُ عَنْ مَكَانٍ للنوْم، لدَيَّ ذِكرياتٌ جَمِيلة ظلتْ تُسَاورُني، ضَحِكتُ وَقُلتُ: أنْتَ مَاهِرٌ جِدًا فِي التَخَلُّصِ مِنْ ضُيُوفِكَ، لقَدْ خَلعْتَ الذِّكْريَاتِ كمَا يخْلعُ المُسَافِرُ مِعْطفَهُ.

8- فجْأة جَاءَت زوْجَتهُ تقودُ سَيارَتهَا ببُطءٍ ورَفَاهَةٍ، يُدَاهِمُهاَ النُّعَاسً تطلبُهُ، يَشْعُرُ بالدَّم يَصْعدُ في وَجْهِه، يَنظرُ إليْهَا مُتلطفًا، قد اصَابَهُ الوَهَنُ، حَاولتُ أنْ اسْعِفَهُ بِكلمَاتٍ مَازِحَةٍ، والتمِسُ لهُ الأعْذَارَ، كانَ باهِتَ الشّخْصيّة، يُحدّثُها بِلهْجَة الصَّداقة، كلِفَ بهَا شوْقا واحْترامًا، في خِضَمِّ هَذا البَلاَءُ، رَأى زَوْجَتَهُ الْمُطَّلقَة مُقْبِلةِ، يا إلَهِي مَاذَا يَحْدُثُ؟ خَفَقَ قلبَهُ وطَار لبُّهُ، ذَهَلَ عَقلَهُ، هِيَّ ذِي تقِفُ مُحَدِّقَة كَعَمُودِ كهْرَبَائيِ مُهَشَّمٍ مَهْجُورٍ، إنَّهَا رِحْلةُ الانْتِقَامِ، تَقِفُ وكَأَنّهَا تُخْفِي شَيْئًا ضَائِعاً، قَال لَهَا فِي خَجَلٍ وَاضْطِرَابٍ: مَا جَاءَ بِكِ؟ يحُسُّ بِالخَوْفِ يتَسَلَّلُ إِلَى نَفْسِهِ، وفِي ضَجَرٍ وَغَمْغَمَ يَسَألهَا مرَّة أخْرَى: ياأنْتِ.. مَاحَاجَتُك؟ إنّهَا نَظرَةٌ دُونِيّةٌ يَنْظُرُهَا لامْرَأَةٍ مَجْرُوحَةٍ فِي كَرَامَتِهَا، فهُوَ لاَيَمْلِكُ جُرْأَةَ الْمُوَاجِهَةِ، يتوَهَّمُ أمَامَ زَوْجَتِه أنّهُ يَسْتَطِيعُ مُوَاجَةَ الْمَوْقِف، دُونَ أنْ يَتلعْثم لسَانَهُ أوْ يَخْفَق قَلْبَهُ، لكنَّهُ يتخَاذَلُ ويحْتمَى بِظِلِّ زَوْجَتِه، تقفُ شَامِخَة تتهَيّأ لِلدِّفَاعِ عَنْ نَفْسِهَا إذا لَزِمَ الأمْر، كَانَتْ فَارِعَةُ الطُّولُ..أنِيقَة ..متناسقة الْجسْم، والْمَرْأةُ الْمُسْتقِيمَة تحْمِلُ شَرَفَ قَبِيلَتهَا، فَعَلى ثغْر مِن ثُغُورالفَمِّ الْوَاعِي، شُمُوخٌ وَهَيْبَة وَوَقَارٌ، تقِفُ صَامِدَة تُغَطِي سَمَاءَهَا بِسُحُبِ الْحِكْمَةِ، بَيْنمَا تقِفُ الأرْمَلة الْمِسْكِينَة ذَلِيلِةٌ هَزِيلَة، كَأَنَّ عِظامَهَا لَمْ يغْشَىاهَا لحْمٌ وَلاَ دَمٌ، وَكَأنّهُ لَمْ تَكُنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةً، تضْغَطُ عَلَى شَارِبِهَا السُّفلِي مُتوَتِرَة، تضُجُّ عيْنَاهَا حُمْرَةً، يَصْفَرَّ وَجْهُهَا، تمتَدَّ يَدَهَا ثائِرَةً مُنتَفِضَة لتَصْفْعَه بقوَّة عَلى وَجْهِهِ فيسْقط ارْضًا، كَأنّهَا وَهِيّ تَصْفَعُهُ بهَذهِ الطّرِيقةِ تضَعُ يَدَهَا فِي عَبْوَةٍ نَاسِفَةٍ، لِتَرْسُمَ مَشْهَدَ أحْزَانِهَا، تبْتَعَدُ خَطَوَاتِ، ثمّ تنْصَرفُ دُونَ أنْ يَسْمْعَ مِنْهَا كلِمَة، هِيَّ ذِي الرِّسَالَةُ الّتِي كَانَتْ تحْمِلُهَا، فَجْأْةً تخْتفَي كَمَا يَخْتفِي الشَّبَحُ، فيلتَفَتُ نَحْو زَوْجَتهِ، يقُول: بِصَوْتٍ يُشْبِهُ صَوْتَ الْهَدِيل، هَيَّ امْرَأةً مَجْنُونةٌ تَئِنُّ دُونَ سَبَبٍ، إنَّهَا تُعَبِّرُ عَنْ بُؤْسِهَا”..وَمِنَ الْجُنُونِ مُشَاكَشَةِ الْمَجْنُون..” تقول لهُ زَوْجَتهُ: مَهْلاً.. هِيَّ ليَسَتْ مَجْنُونَة، إنّهَا تَتحَدَّثُ عَنْ شَيْءٍ يَسْكُنُهَا بِحَجْمِ المَأْسَاةِ، الْحُرْقَةُ تُقطِّعُ كبِدَهَا، إنّهَا مَظْلُومَةٌ..! والحِكْمَة تقُول: “..البَلاَءُ يُرْفَعُ بِالرِّضَاءِ..” وأنْتَ لم تُعَامِلْهَا بِرِفْقٍ وَلِين،ٍ كنْتَ عَنِيفًا مَعَهَا حَدَّ التهَوُّر، فبَادَلتْكَ الْعُنْفَ بِالْعُنْفَ، وَالتَعَالِي بِالتَعَالِي، يَهْمَسُ إليْهَا والْكلِمَاتُ تغْمُرُ شِعَابَ جَسَدِهَا، فتُصْغِي إليْهِ مُنْدَهِشَةً مُتطاوَلَة، تقُول فِي نَفِسِهَا..مُعَبِّرَةً عَمَّا فِي دَاخِلهَا،: عُذرًا.. للْرّجَالِ المَهْزُومِينَ فِي هَذا الزَّمَان، حِكَايَاتُهُم تُشْبِهُهُم فِي السَّلْبِيّةِ، هُمْ كًسَارِقِ الابْتِسَامَةِ مِنْ بَيْتهِ “..إنّ الْمَرْءَ يَجْهَل تمَامًا ما يُوجَدُ في مُحِيطِهِ.” للأسَفِ”..مَنْ قَصُرَتْ حُجَّتُهُ طَالَ لِسَانَهُ..” الرَّجُل مَغلوبٌ عَلَى أمْرهِ،أجل.. فَهُو لِذَلِكَ يًتَغَابَى، يتجَاهَلُ غيْرَهُ، مِسْكينَة..تزوّجَهَا ذَاتَ وقتٍ وَلَمّا طلّقَهَا يَقول عَنْها أنّهَا مجْنُونَة! وأنّهَا جَشِعَة، كَذِبٌ وافتِرَاءٌ، وتهَمٌ مُلفَقةٌ عَارِيَّةٌ مِنَ الصحَّة، قَوَافِلَ احْزَانِهِ تظْهَرُوَتخْتفِي بيْنَ تضَارِيسَ وَجْهِهِ المَكْدُود، وقدْ قيل:”.. فَمُ الْجَاهِلِ فِي أذُنِهِ..” وَجَعُ الفِرَاقِ كامِنٌ فِي الأحْشاءِ، وَالْجُرْحُ لا يَعْرِفُهُ إلاّ مَنْ مَرَّ به وَتذَّى، وعَا شَ بُؤسَ لحَظاتِهِ، فالْعِتَابُ لمَنْ..؟ وَهَذِهِ الطَعنَاتُ واللّحَظَاتُ الْحَزِينَةُ تُزِيحُ الْمَسَافَاتِ.

09- جَاءَ مَن يَطلبُني، وخيّامُ المُشْتهَى مُشرَّعَة، والأشْواقُ مُطارَدةٌ، اقبَل الشِّيخُ عُثمَان مُترَنِّحًا يكتمُ أنفاسَاهُ، وَيَكظِمُ غَيْضَهُ، يَقَفُ عَلَى أطرَافِ الرّصِيف مُبحْلقا، ينْظرُ نحْوي بعيْنيْهِ الضَّئِيلتين، يَقُول: دَخلتُ بيْتِي فمَا اسْترَحْتُ، أنَا غَريبٌ فِي هَذِهِ الدِيَّار، بَيْنَ أَهْلِي وَعَشِيرَتِي، خرَجْتُ معَ الطيُور تِلْكَ التِي تغدُو خَاويَاتُ البُطُون، جِئْتُ مشدُودًا إليْك بالسُّؤَال، أنأ أحدّقُ فِي الفرَاغ، الْحَيَاةُ التِي نحْيَاهَا اثقلتْ الكوَاهِلَ، هل يُمْكنُ اسْتبدَالُهَا؟ اوْإعَادةُ بَعْثِهَا؟ صَعٌبٌ عَليْنَا أنْ نُغَيِّر، قلتُ لهُ: مَهْلاً..مَنْ قَالَ ذَلِك؟ ولِمَاذَا أنْتَ دائِمًا مُتشَائِمًا؟ كلُّ شيْءٍ يتغيّرُ يارُجُل، بِشَرْطٍ اذَا بَاشَرْنَا عَمَليّة التغْيِير بوَعْي، وَكَانَ لنَا مشُرُوعٌ وَاضِحٌ، وَمَوَاقِفَ ثَابِتَةً، أمّا اذَا بقيْنَا مَعَ المُتفرِّجِينَ صَامِتينَ مُنتظِرينَ لاَنبْرَحُ الْمَكَانَ، فهُنَاكَ مُتربِّصُون مِنْ حَوْلِنَا يَتفَرَّجُونَ، يُغَيُّرُونَ مَوَاقِعَهُم، يُحَاوِلُون اقتِلِاَعَنا مِنَ الجُذُور”..وكل مُتحَوِّلة مِذْبَالة..” سيُبْعِدُونَك ياأنْتَ وَغَيْرَك بجَرَّةَ قلَمٍ، لِتَعِيشَ فِي الهَامِش، وبصَوْتٍ جَهُورٍ يَقول: فِي مَقدُورِي أنْ اقترِبَ مِن هَذهِ الكائِنَاتِ المُتلوِّنَة، أتكيّفُ مَعَ سَفَهِ أطرُوحَاتِهم، اتلوَّنُ مِثلهُم، هُمْ يَعِيشُون وهَمَ التبعيَّةِ وخيْبَةِ الأمَل، دَعْني أتفرجُ عَنْهُم، أطَالعُ في الوُجُوه القبِيحَةِ الْمُضَرَّجَة بِالتمَلُّقِ، لَعَلنِي اضْفرُ بوَجْهٍ صبًوحٍ جرَفهُ السيْل، الْحَيَاةُ امَامِي غَامِضَة، كأنّي جِئتُ إلَى هَذِه الدُّنْيا بِلاَ شيْءٍ، ياسيّدي لاتدَعِ الكلمَاتِ المَالِحَة تمْلأ قلبَك.! فلسوْفَ نخْتارً العيْشَ بَعيدًا عَن الأوْغَادِ، فضَاءَاتٌ المُسْتقبلِ تُحدِّقُ فِينَا، اضْوَاؤُهَا تسْتَحِثُنا لأحْدَاثِ بَرْقٍ وَرَعْدٍ هُنَاكَ وَأمْطَارٍ هُنَا، نحْنُ نَتُوقُ إلَى المُسْتقبل بِعيُونٍ لاتُميّزُ بيْن الغَثِّ والسّمِين، نَنْشدُ الخيْر بأيدٍ فارِغَةٍ، لاشيْءَ فِي هَذِه الحَيَاة يُثيرُ اسْتغرَابَنَا، النّاسُ مِن حَوْلِنا يَتطَايرُون كالبُذُور فِي العَرَاءِ، يصْعُبُ عبُورَ الْمسَالِك الوَعِرَةِ، هِيّ مُمْتلئِةً بأكدَاسٍ تُشبهُ الكُتَلَ الصَّخْرِيَّةِ، أجوَاؤُناَ مُعَتّمَة، تذُوبُ فيهَا الأطيَافُ تظهَرُ وتخْتفِي، الكلمَاتُ تَتبَخّرُ، يا إلهِي كأنّهُم زَرَعُوا في شَوَارِعَ الْمَدِينة جيُوشًا عَرَمْرَمْة مِنَ العَاطِلينَ، مِنَ البُؤَسَاءَ والمَرْضَى والمُتسَوِّلين، إنَّهَا اشْوَاكُ آدميّةٌ، نَكِرَاتٌ مُنْتشرَةٌ بِشَكلٍ فوْضَوِي ورَهِيبٍ، إنَّها أفَاعِي تُدْمِي االقلوبَ وتؤْذِي النفُوسَ، الموْتُ يَلْتهمُ الأضْعَفَ مِنَ الأطفَال، كِبَارَ السنّ مُؤجَّلُونَ، يُوجَدُ مُتسَعٌ لِلْمَارَةِ عَلَى جَوَانبَ الطريق، الْمُتَجَوِّلُونَ كثرٌ، يمْشُون بدُونِ هَدَفٍ، يمْلأونَ الارْصِفَة بعُيُونٍ مُبَحْلقة، يتَشهَوْن كلّ شيْءٍ، الذِينَ لمْ يحْمِلُوا كتابًا فِي حَياتِهِم، يحْمِلُون هوَاتِفَ غبِيّة، يتحَدّثُون بشَغَفٍ وشوْقٍ، يضْحَكُونَ، تخَالُهُم مِنْ مَرْضَى العُقُول، هُمْ كالْمَجَانِين يتَناجُوْن، يَصْرُخُونَ، مَا أكْثَرَ الغَائِبِين عَنْ الْعَمَل ! يُمَارِسُون اعْمَالاً اضَافِيّة..طَوَابِيرَ مِنْ السَيّارَاتِ، بعْضُهُمْ مِن رُوَّادِ الْمَقَاهِي والأسْوَاق، يَقضُون سَحَابَة يَوْمِهِم هُنا وهُنَاكَ يتهَاوَمُون، يسْتخْدِمُون مالدَيْهم مِن حِيّل لاصْطيَّادِ الأحْلاَم، الكلمَاتُ الكرِيهَة ُ كَرِيهَةٌ يَصْعُبُ كنْسُهَا، فِي الْمَسَاءَاتِ الثَّمِلة نبْحَثُ عَن رَشْقَةِ حُلمٍ، نُسَامِرُ القلُوبَ، وللذكرَيَاتِ نَتوقُ إلَى عَوْدَتِهَا، قدْ نَتُوقُ إلَى مَحْوِهَا مِنْ كُتَبِ حَيَاتِنَا، المُتَحَذلِقُون والمُتحَذْلقَاتُ يُحْيَوْن الذِكرَيَات، بدُمُوع ليْسَت لهُم، يُوزِّعُونَها بالمَجَان، يُسْمِعُون النّاسَ مُغَامَرَاتِهم الكاذِبَة، وَمَا حَدِيثِهُم إلاَّ هُرَاءَ عَابثٍ وَحَشْرَجَةٌ، ضَحَكَاتٌ صَفْرَاءَ بَاهِتَةٍ، تحْتَ سَطوَةِ النقدِ الهدّام وطعَنَاتِ العِتَاب، شّائِعَاتٌ مُلفّقةٌ، وشَاياتٌ ودَسٌّ ونَمِيمَة، كذِبٌ وافْتراءٌ، توْصِيفٌ هازِئٌ..وفِي الذَاكِرَةِ يبْقَى الجُرْحُ نَازِفًا مُسْتنْزِفًا، والشُّعُوبُ تُسَاقُ إلَى حَتْفِهَا كأسْرَابِ الانْعَام، فتدْفَعُ فَوَاتِرَ جَهْلِها وَمُهَاترَاتِها بسَخَاءٍ، أمَّتُنَا كانَتْ لِلأنَامِ ضِيَّاء، فَمَاذَا حَدَث؟!.

10-يقوم سي عثمَان مِن كرسيّه مُسْرعًا، يَقفُ عَلَى حَافةِ الوَقت، يُحَدِّقُ فِي وُجُوهِ الْمَارَّةِ، يَتَصِلُ بِزَوْجَتِهِ هَاتِفيًّا، يُخْبرُهَا بأنّهُ ادْرَكَ مَا كَانَ خَافيًّا عنْه، وأنّ الكلمَات فِي المَجَالِس والْمَقاهِي تتدَفقُ مِنْ مشَاربَ مُخْتلفَة، وَلَهَا رَوَافدَ مَشكوكٌ فِي صِحَّتهَا، إنّهَا قطرَاتٌ تتصَاعَدُ كالفقَاقِيع، ما يُؤلمُه أنّه لم يَعُدْ قادرًا عَلَى اسْتيعَابِ مَا يسْمَعُ ويَرَى، فالكلِمَاتُ المَشحُونة بقضَايا الانْسَان وهُمُومِه، تَنْثالُ مِنْ مِخْيال شفِيفٍ، تنشدُ الهوَاجِسَ، النّاسُ يمرُّون بكثرَةٍ عَلى ضِفَافِ ارْصِفة حَالمَةٍ، تحْمِلُ اقدَامَنا ومَشاعِرَنا إلَى وجْهَة مَجْهُولَةِ، لكِن مَابهم يَغِطّون أنُوفَهُم؟ قَالَ رجُل من أهْلِ المَدِينَة، انْظر هُناك جُثة كلبٍ نَافِقٍ..تَنهَدَ وقال: مَتى حَدثت الوَفَاةُ ؟ ضَحِكَ الرّجُل سَاخرًا وقال: الوفاةُ حدَثت امْسِ..والتعْزيَّة تتمُّ بالهَوَاتِف الْمَحْمُولة، لا أحَدَ قامَ بعَمَليّة الدّفن.. فَلِمَاذَا؟..ارَى امْرَأةً جَاثِمَة تبْكِي عَلى جرْوِ كِلاَبٍ.. تَتهِمُ صَاحِب سَيّارَة أجْرَة بِدَهْس جرْوِهَا..يَالهَا مِنْ امْرَأة شقيّة.. تبْكِي عَلى كلبٍ نَافقٍ..! قلتُ: الامْر غيْرُ مُستغرَبٌ فِي المُجْتمعَات المُتخلفةِ، مُجْتمعَاتٌ تقلدُ غيْرَهَا فِي كلِّ شيْءٍ حَتّى فِي ترْبيّة الكلابِ وَفِي تأبينهَا، وتعْجُز عَن تقليدِ الأمَمِ الْمُتطوِّرَةِ فِي الصّنَاعَةِ والزِّرَاعَة والنظَام، كيْف نسْتعيدُ ابْناءَنا مِنَ الضَيّاعِ، والمُربِّي مَنبُوذٌ وغَيْرُ مُؤتمَنٌ، تجدُهُ في ذيْل الترْتِيب، يالِلْعَجَب تكرَّم ُالكلابُ ويسْتثنَى الْعُلمَاءُ وَرِجَالُ التَرْبِيَّة، الموْضوعُ يُوقظ فِي النّفْس جُرْحًا، تبْقى الأحَاسيسُ مُرْخاةُ العِنَان، وَالأحَاسِيسُ يُخْفيها الفُؤادُ ويَصُونُها،..تَتلاشَى الافكارُ كالسّرَاب لتبْقى الابْتسَامَة مُرّة، ارْوَاحُنا تُضيءُ شمُوعًا بعَفويّة وتفَاؤُل، اللَيل اقدرُ عَلى الكِتمَان، ليْسَ هُنَاك عَاقِل ينشرُ غَسيلهُ امَامَ بيْتهِ، لَكِنّ بيْئَـتُنَا صَارَتْ طَارِدَةً لِلْعُقُول وَالْمَوَاهِبِ، فمَا اصْعَب أنْ نُمَارسَ فِعْل النسْيَان، نَحْنُ لمْ نَسْتعْمِل عُقولنَا..! ياسَيدِي “..شَجَرَة لا تنْفعُ حَلالٌ قطعُها..” اصبْت كبدَ الحَقيقة، وأمْسَكت بأهْدابِهَا، لكِن المْشْكل أعْمَقُ مِنَ ذَلك، هُناك اشْجارٌ كثيرَةٌ لاتفيدُ، وليسَت شجَرَة واحِدَة، مِن الصَّعْب أنْ نكتفِي بالذّهُول..! يُمْسِكُ بِتَلابِيبِي مُتأوِّهًا، يَقول: الكلمَاتُ الطيبَة تمْنَحُنا الدِّفئ، ترْفعُ عنّا الغُبْن والمُعَانَاة، حَتّى وإنْ كانَتْ حَافيّة القدميْن، يبْتهجُ ويسْعْدُ سَعادَة غَامِرَة، يَقُول: “.. على قدْر الودّ يَكونُ العِتَابُ..كمَا يُقال “.وكل مايجبُ أن يُقال ينْبَغِي أن يُقال بوُضُوح..” يَلتفتُ نحْوِي هَامِسًا مُبتسمًا ابْتسَامَة مَرِحَة مُضِيئَة ضَارِعَة بالحيَاء ويَقول: هذا مَا ينقصُنا..الوضُوحُ فِي ألرُّؤى، والإخْلاصُ فِي الْمَسْعَى..انْتهَت المُقابلة بفيْضٍ من الآرَاء والأسْئلة المُبْهِجَة..لكِن.. طَعَناتُ العِتاب تبْقى مُؤلمَة كلسَعَاتِ اللوْم، فعِندَما نُوقدُ الْمًصَابِيح نكتشفُ بعْضَنا، ونسْترْجِعُ شيْئًا من الذِكريَاتِ المَسْرُوقة، للمَدِينة أسْرَارُها، وللسَّاكنَة تقاليدُهُم ونِظامُ حيَاتِهم، نَتذكرمن كَانَ حَوْلنا ولم يَعُد مَوْجُودًا مَعَنا، رجُال أخْفَتهُم الظرُوفُ فتوَارَوْا، وأخَرُون اخَذ مِنهُم التعَبُ مُنتهَاهُ فانْصَرَفُوا صَاغِرِينَ.

11-و تَهُبُّ رِيَّاحُ الصَّباح نَافِخَةً فِي مَلاَبِسِهِ الرَثة، والأحْزَانُ بدَاخِلهِ مُبعْثرَةٌ، الحُزْنُ صَدَى يغْشَى النّفْس البشريّة الضَّعيفةِ، وإذَا كَانَ الإنْسَانُ وعَاءً من الاوْعِيّة التِي لا تملؤُهَا إلا الكلمَاتُ الطيِّبة الْمُنْعِشَة، فإنّ الأفْكارَ النيِّرَةِ تتوَالدُ وتكبرُ، لتحْتضِنُ الْمَعَانِي المُضِيئَة التِي تنْتَشِي بهُمُوم الذّات، نَحْنُ فِي حَاجَةٍ إلَى تَأكِيدْ الذَّاتِ، إلَى اعَادَةِ بِنَائِهَا وَصَقلِ مَوَاهِبهَا وَالارْتِقَاءِ بِهَا إلَى مَلكُوتِ السَّمَوَاتِ، ألمُ الفِرَاقِ صَعْبٌ، وصَعْبٌ للغايَةِ لأنّهُ يُجَدِّدُ الذِّكْرَى ويُنْعِشُهَا، مَا اصْعَبَ اللحَظاتِ التِي يَفْقدُ فِيهَا الزَّوْجُ زوْجَتهُ رَفِيقَة الدَرْبِ، أمُّ العيّال أفِلَ نَجْمُهَا وغَابَتْ ذَاتَ ابْتِلاَء..! الشيخ عثمَان لايزَال يَذْكرُهَا، وخُلق الانْسَان ضَعِيفَا، يَلتزمُ الصّمْت بعْضَ الوَقتِ، والصَّمْتُ يَحْمِلُ مَشَاعِرَجيّاشَة، يقول: عِشْتُ يوْمَئِذ بُؤسًا شدِيدًا، يوْمَ أنْ أعَدْتُ الزّوَاجَ، كانَتْ تجْربَة قاسِيّة مَريرَة، ضَحِيَّتُهَا امْرَأةٌ تافِهَة تزَوَّجْتُها، كَان همُّهَا الاسْتِحْوَاذُ عَلى كلِّ شَيْءٍ فِي البَيْت، الأيّامُ يَوْمَئِذٍ كانَت صَعْبَة، تَتابَعُ مُتسَارعَة مُظلمَة حَزينَة، ولوْ كَانَ للأيَّام صَوْتٌ ناطقٌ لقالتُ: صَوْتٌ الأيّامِ المُظلمَة لايَنَامُ، إنّمَا يُرْسِلُ ترَانِيمَ بَاكيّة دَامِعَة حَزِينَة، نبْضُها آهاتٌ وأنِينٌ، مَهْمَا يكُن فالأيامُ ذاهِبَة ولنْ تعُودَ، وَتَبْقَى الأثَارُ شَاهِدَةً، أنهيْتُ عَلاقتِي بِتِلْك المرْأة الثائِرَة بِشَقِّ الأنْفُس، كتبَتُ أوْرَاقا اصِفُ فِيهَا مَأسَاة المُرَبِّي، اخْطَاءَهُ وهَزَائِمَهُ، لِلْهَزَائِمَ طَعْمٌ بِنُكْهَةِ العَلْقَمِ، وَللْسُقُوطِ الْمُفَاجِئ ثمَنٌ كبِيرٌ، رَسَمْتُ احْزانًا كَانَت مَكتُومَة عَنْ زَوَاجٍ فَاشِلٍ، والذِي تقدّمَ به السِنُّ يُلازمُهُ الْحُزنُ الذِي لاينَامُ، وهيْهَاتَ هيْهَاتَ أنْ نبُوحَ بِكل مَانُخْفيه في حَياتِنا، يُنكسُ رَأسَهُ وقد طالَ به الصّمْتُ، يَضْغَط ُبِقوّةٍ عًلى اصَابعِ يديْهِ ثم يَقول: الكتابة لاُتعَبِّر بِصِدْقٍ عمّا يختلجُ فِي الدَّاخل، أنا التَزِمُ الصَّمْتَ،أتذَوَقُ رَحِيقَ وُجُودِي، افْعَل ذَلك لِكَيْ لاَ أبْقَى مُتفرِّجًا عَن نَفْسِي، بادَرَتْ وكان مِنْ نَصِبِي زوْجَة مُثقّفة مِنْ اسْرَة تربويّة رَاقيّة، لأوّل مَرّة احْضى بهَذا ألاختيَار، مَع انّي كنْتُ اردِّدُ “..وَمَا الحُبُّ إلاَّ لِلحَبِيبِ الأوّل..” ترَاجَعْت وابْتهَجْتُ وقلتُ : “.. الْحُبُّ كَائِنٌ يَتجَدَّدُ..” وَمَا عَسَانِي اقُول غَيْر ذَلك، فَمَا أجْمْل الذِي يَحْدُثُ بيْننا؟! ومَا أجْمَل الذِي لم يَحْدُث بَعْدُ ! يقول: الحَياةُ مِن حَوْلِناَ تتجَدَّدُ، ومَا تحْتَ التًرَابِ صَارَ تُرَابًا، خَالجَني شعُورٌ جَارفٌ، وانْتابُنِي شُعُورٌغامِرُ بأنِّي ادْخُلُ سِجْناُ، قِيل لِي أنّكَ دَخَلتَهُ، هَذا مَا رَوّجَ لَهُ المُجْتمعُ الذُّكُورِي فِي مَدينتنَا، لسْتُ ادْرِي هَل يَتغيّر سُلوكِي فاحْترمُ الزّوْجَة؟ أمْ التَزِمُ ثقافَة القطيع؟ هَل يَفلحُ رجُل مِثلي كَان يُخاطبُ زوْجتهُ بعِبَارَةٍ يَاأنْت..يَاوْ..يَا بِنْت النّاس! دُونَ أن يَذْكُرَ اسْمَهَا ؟ رسَخَت فِي ذِهْني ثقافَة التعَالي وتوَطّنَتْ، فَكَيْفَ نَتَخَلصُ مِنْ الْتَوَحِّش وَالعُدْوَانيّة الصَّاخِبَة الَتِي تَنْهَشُ لُحُومَنَا ؟ قلتُ له: الإنْسَانُ بطبْعِه عُدوَانِي، فمَتَى نَتخَلصُ مِنْ وَهْم القيُودِ؟ ذَاك السُلوكُ المُنْحَطٌّ الذِي يَسْكنُنَا كالوَبَاءِ، يَصْعُبُ عَلَى الْمَرْءِ نِسْيانُ الْمَاضِي فِي رَغَوَةِ الفَرَاغ، إنْ كَانَ الْمَاضِي جُزءٌ مِنّا، فَهَل يُمْكِنُ تَجَاهُل بَدَاوَتِنا؟ قلتُ: لازِلْنَا نَحْتفِظُ بِتَقالِيدِنَا الْجَمِيلَةِ، لَكِنْ نَخْشَى أنْ نَبْقَى مُشتَغِلينَ عَلَى اللَّهْوِ وَالْهَذَيَانِ، نُصَفِّقُ لِلْبَاطِلِ فِي كُلِّ مُناسَبَةٍ، نَرْقُصُ فِي اعْرَاسِ الْقِرَدَةِ والشَيَاطِين، قال: فِي أحْلامِنَا قصَصٌ وَاعِظَاتٌ وأخْرَى نَتشَهَاهَا كَالْوَلِيمَةِ، نَحْنُ لاَزِلْنا نُعَانِي مِنَ الضَّعْفِ وَالْوَهَنِ، وهذَا الزَّمَنُ اتْعَبَنَا جَرْيًا خَلفَ السَّرَابِ، نبْقَى صَامِدِين خَلْفَ الأحْزَان، رَاضِينَ بِالْهَمِّ والهَم يَرْفُضُنا، ولِلْذِكرَيَاتِ نَتُوقُ، وإلَى أيَّامِ الطّفُولَةِ يَزَدَادُ شَوْقُنا، الطفُولَة حُلْمٌ جَمِيلٌ، أنْفَاسٌ عَذْبَةٌ عَابِقَةٌ بِالحَنِينِ، القادِمُ مِنَ العُمْرنَتشهَاهُ، ذَلِكَ الْعَالَمُ الْمَخْمَلِي الْمُبْهِرُ، نَرَى فِيهِ طفُولتَنا وشَبَابَنا وَكهُولَتِنَا، فِي طيَّات النَّدَى نَهْمَسُ لِلأَمَلِ..نَصْدَحُ بآيَاتِ الْمَجْدِ، وَيَا لَيْتَ الأيَّام تَعُودُ! فليْسَ هُنَاكَ أجْمَلَ وَأرْوَعَ مِنَ التَّحْلِيقِ فِي رِحَابِ الْكَلِمَاتِ الَّتِي جَمَعْنَاهَا وتَبَعْثرَتْ، اعْذِرُونِي وَقَدْ اطْلَقتُ الْعِنَان لِقَلَمِي، فَإلَى مَجَالِسُكُم اشْتَقْتَ، قلَمِي وَأوْرَاقِي تَحْمِلُ مَاكتبْتُ، ليْسَ لِي فِي هَذِهِ الجِبَالِ وَالرَّوَابِي إلاَّ ذِكْرَيَاتٍ بَاهِتةٍ مُتَمَاوِجَةٍ فِي مَدِينَةِ الْبَرْوَاقِيّة، مَحَطّات طَوَتْ سَمَاؤُهُا السِّنُونَ، فِي سِيدِي نِعْمَانِ وَفِي مَدِينَةِ الْعُمَايريَّة وَأوْلاَدِ ابْرَاهِيم، صَدَاقَةٌ مَنَحَتنَا حَيَاةً تَنامُ فِي الذَّاكِرَةِ، وَلايَزَال يَحْتفِظ ُبِصُوَّرِهاَ الرَّاوِي الشيْخ عثمَان.

أضف تعليقاً