بعد أن تدربتُ طويلا، بجد واجتهاد، على مختلف الجيوب، رجالية أو نسائية كانت، وفي شتى الوضعيات، ومن زوايا مختلفة.حيث جعلت من غرفتي مقر تدريب، وسلحتها بمختلف أشكال الجيوب، الى أن اكتسبت أصابعي مايلزم من خفة ورشاقة وسلاسة. ولم يتبق أمامي سوى طرد الخوف من أغوار نفسي، وتمتين أعصابي الى الحد الذي يجعلني أدخل أصابعي الى جيب ما وكلي اطمئنان الى يدي التي لن ترتجف بالمرة، وتسلحتُ بالأقراص، الأقراص التي يقولون عنها مهلوسة، أولئك المهلوسون من حيث لايدرون ! ماكان بودي أن أفعل. لكن مالعمل لتوفير المال !؟ جربت بيع الديطاي والطواف اليومي على المقاهي والساحات، لكن دون جدوى. حاولت أن أشتغل ” فراشا” وبالكاد وجدت هامشا على هوامش ” السويقة”، مقابل أجر لمن يتحكمون في رحباتها، ووضعت على ” كروسة” إكتريتها بضع صناديق من الفواكه، لكن ” الفراشة” الراسخين في ” السويقة” حرضوا ” المخازنية” علي، فصادروا بضاعتي كم مرة. وكم تمنيت لو أستطيع إحراق نفسي أمامهم، ولم أقو ! ثم بعد ذلك لم أجد غير ” تمارة” فاشتغلت في أعمال البناء، بمساعدة بَنّاء أعرفه، لكني لم أطق العمل تحت إمرة ” كحل الراس” الذي يعتصر مافي طاقتك مقابل أجر لايكفي لشراء السجائر والحشيش وتناول كأس قهوة مع الأصدقاء ! ٱه لو استطعت جمع مبلغ يكفي هجرة القوارب، إما النجاة من هذا البلد وأهله أو الغرق..لكن جميع الأبواب كانت مقفلة، فقررت أن أجعل من أصابعي مفاتيح لمختلف أقفال الجيوب، لأفتح بابا للمال الى جيبي، الذي لاأعرف من حكم عليه بأن يكون فارغا !؟ فالأفضل أن أكون لصا بارعا، لايملك الجميع إلا أن يشيد ببراعته، على أن أصير شحاذا بكَف تنقلب على ظهرها كعاهرة رخيصة، أو أتعلق في ذيل ” إبن قحبة” ما يجود علي من فتات ماله الوفير، مقابل أن يجعل مني قفازا او كلبا ! ف” كحل الراس” لايستحق أن تنشل مافي جيبه فحسب، بل وروحه حتى. فكم دخنت من أعقاب السجائر، ولم يهتم لحالي أحد، فقط هناك من يبصق عليك من عينه شفقة كريهة، ويقفل دونك جيبه ! لهذا كله قررت أن ٱخذ حقي بأصابعي، ولو سرقة، لأن حقي مسروق جملة وتفصيلا؛ أم أنه لاحق لي، وأني مجرد عقب من سجارة إحترقت !؟ فنزلت الى أرض الميدان، من التدريب الى التطبيق، وقصدت سوقا أسبوعيا كبيرا، وكانت رحبة المواشي المكان الذي انطلقت منه أولى خطواتي، حيث كان علي أن ألبذ وأترصد وأتتبع أسهل فريسة ممكنة في أول ضربة لأصابعي، لتكون الفريسةَ البكر، ولامجال للخطأ.. فاخترت عجوزا كان يبيع نعجة وخروفها، وفحصت جيدا ملامحه وهيئته وحركاته وسكناته، وأيقنت أنه ليس على درجة كبيرة من الفطنة، وماكان لي أن أجد طريدة أسهل منه. فراقبته بدقة حتى باع النعجة واستلم ثمنها، ورصدت المكان حيث وضعه تحت الجلباب، وتبعته بعد أن وضعت موس حلاقة بين أصابعي لأمزق الجلباب، منتظرا الوقت المناسب والمكان المناسب، وليس هناك أنسب من الزحمة والزحام، حيث على الأصابع أن تصير بندقية تصيب من أول طلقة.! وهذا ماكان، إذ تمكنت، في زحمة مباركة، أن أمزق الجلباب وأنشل المبلغ، دون ان يلحظ أحد أمرا، في ضربة ” مْعلمْ” بارعة.. ولم أهتم بأمر العجوز حين يكتشف مافعلته به، فليصرخ ويلقي بعمامته على التراب، وليبكي كالنساء، لأنه إن لم يبك هو فسأبكي أنا، ولقد بكيت بمايكفي، ولاأريد البكاء مجددا، وليبكي الجميع دوني. فلست أنا الذي خلق البكاء..والقسوة ! لكن فرحتي لم تدم طويلا، إذ احتك بي، وفي الزحام أيضا، شخص قوي البنية بملامح صارمة، وهمس في أذني أن أسلمه المبلغ، وإلا فضحني أمام العجوز والسوق كله. فسلمته إياه مصعوقا بذهولي، وكل رجائي أن يسترني، لانه لو افتضح أمري فمن يضمن أن لايتسلمني الدرك إلا وانا جثة هامدة، فالضربات ستنهال علي كالمطر من كل الإتجاهات، وبأي شيء وليس الأيادي والارجل فحسب. لهذا وضعت المبلغ الذي لم أعرف مقداره حتى، في يده، دون ان يفطن أحد، وتركني بخطوات واسعة دون ان يلتفت إلي، بينما توقفت في مكاني كالأبله دون أن أعرف ماذا أفعل، ودون أن تنفعني في شيء كل الشتائم التي أمطرته بها في سري، إذ لم أستطع أن أعيد الفعل مرة أخرى، بعد ان استولى علي إحساس قاطع باستحالة النجاح هذه المرة، وحتى ولو نجحت من يضمن أن لايعاود فعله علي ويسلبني عناء أصابعي كَرة أخرى، هو او أحد غيره أقوى مني، فالكل لصوص ! لكني وجدت نفسي أتبعه كالمنوم، الى ان جلس في إحدى المقاهي، فحشرت نفسي الى مقعد بجانبه، بعد ان استأذنته، ورجوته أن يمنحني ثمن علبة سجائر فقط أطفأ بها لوعة الطريدة التي طارت من يدي في ٱخر لحظة، واقترحت عليه أن يسمح لي بالعمل على الجيوب في هذا السوق، مقابل نسبة من المحصول. وبعد أن نظر إلي طويلا بعين تبدو انها خبيرة في أنواع اللصوص الصغار ومقطبا مابين حاجبيه، قال بنبرة قاسية وملامح جامدة:
-ظننتَ أن المكان سائب، يمكن لأي كان وفي أي وقت كان أن ينشل أي جيب كان ! للمكان أسياده، ونحن أسياده، وهذه رحبتنا، ولانسمح أبدا لأي دخيل أن يتطاول على ماليس من حقه !
فقلت بسذاجة واستغراب:
– نحن، من نحن..!؟ وأنا لاأراك إلا أنت !؟
– هذا ماتراه انت الٱن وهنا، لكنا شبكة، تنظيم شرعي، وأنا رئيسه، ولايمكن لأي أحد أن يقتحم حرمة جيب إلا بإذني.! والمنخرطون في التنظيم يؤدون واجبهم على أحسن وجه ويسلمون المبالغ المتحصل عليها نهاية كل سوق إلي، بصفتي أمين مال التنظيم أيضا، ويأخذون حصتهم المتفق عليها كما ينص ميثاقنا الداخلي !
فهتفت كما دون تفكير :
– أريد ان أنخرط معكم، وأصير واحدا منكم، وأنجز واجبي بتفان وإخلاص !
– للاسف بلغنا السقف المسموح به لعدد المنخرطين، ولايمكننا قبول أي طلب جديد !
– أرجوك سيدي الرئيس، لن يتبق لي إلا التسول، وهذا لن أرضاه لنفسي أبدا !
– قانون التنظيم لايسمح لي، وأنا لاأخرق القانون، ولااسمح بخرقه !
– أرجوك سيدي الرئيس !
– هناك حل يمكن ان نذهب إليه في التنظيم كخيار اضطراري، بعد تلقينا لعديد الطلبات بالإنخراط،وهو التعاقد، أن نتعاقد معك لمدة معينة قابلة للتجديد والفسخ، تعمل أثناءها معنا وتحت رعايتنا التي لايرمش لها جفن، مقابل ان تأخذ في البداية عشرة في المائة من المال الذي تغنمه أصابعك…
– عشرة في المائة، هذا قليل والله..!
– إنتظر لم أقل شيئا بعد، الى أن أستشير مجلس التنظيم في الشروع بالعمل التعاقدي، بحسب مبادئنا الديمقراطية. أنا أخبرك فقط علك تنتهز الفرصة، وتكون اول من ينال شرف التعاقد مع تنظيمنا العتيد، وهذا فأل حسن له بركته عليك! ولقد قلت لك هذا، وأعطيتك هذا الحيز من وقتي الثمين، كما مددت لك حبل النجاة، فقط لأني رأيت ضربتك وأنت تنشل ذاك المبلغ، كانت ضربة ” مْعلمْ”!
– لكن العُشر قليل، ولن يفي بالحد الادنى من حاجياتي –
– هذا كي تجد وتجتهد أكثر فاكثر، وتنشل أكبر المبالغ، لتسمن حصتك أكثر. هذا لصالحك يا” ابنادم”. وبعد ذلك قد ترتفع حصتك، الباب ليس مقفلا، ” غير بين لينا حنة يديك”!
– أتعاقد معكم إذن سيدي الرئيس.
– إنتظر، الامر ليس هكذا شفهيا، ولن يحصل الٱن. في السوق القادم، وبعد ان أستشير (كما قلت لك إن كنت تتذكر ) مجلس التنظيم، تعال الى هنا، في هذه المقهى،ومعك بطاقة التعريف وعقد الإزدياد وشهادة السكنى، لنوقع العقد، ونختمه بطابع التنظيم. فنحن لانشتغل خارج القانون، ومن فم لأذن فقط. وإياك ان تسمح لأصابعك بالتسلل الى أي جيب، قبل أن نمضي العقد !
فاتفقت معه على اللقاء في الأسبوع القادم، وودعته، بعد ان منحني أكثر من ثمن علبة سجائر، وانصرفت منتشيا..
لكن في الأسبوع الموالي، لم أجده في المقهى التي إتفقنا أن نلتقي على كراسيها، وظللت أبحث عنه، دون أن أستطيع مد أصابعي الى اي جيب، رغم أن ولاثمن سجارة كان في حوزتي، مخافة ان يطلع لي من حيث لاأحتسب، وقبل ان أمضي العقد..كما لم أستطع ان أجزم ماإذا كان قد ضحك علي !!
- لص صغير
- التعليقات