كانت عادتي أن أزور شفشاون كل صيف، أجدها البديل المناسب للمدن الساحلية التي تزدحم بكل أنواع البشر، فطنجة ومارتيل وأصيلة وتمارة والبيضاء والمهدية والحسيمة… تصير مدنا لا تطاق عند كل صيف أثر الحر وأثر الزحمة، وأيضا أثر رغبة الجميع في استعراض تفاصيل أجسادهم.. بحق تصير مدنا غريبة، مدن يسابق فيها الذكور الإناث من أجل الكشف عن أوشامهم وعضلاتهم وملابسهم الداخلية وأحيانا أشياء أخرى… لذلك كانت شفشاون و ماتزال المدينة التي تناسب أمثالي ممن لا يملكون شيئا في جسدهم يستحق العرض.
الحقيقة أنه كان هناك سبب آخر يدفعني لأزور المدينة كل سنة، سبب يستحق.. فقد كنت أؤمن أن نساء شفشاون ونساء وزان هن أجمل نساء المغرب، آمنت بذلك لسنوات قبل أن أدرك حقيقة كون المغربيات بالمطلق، من طنجة إلى ما بعد الكويرة، هن أجمل نساء الكون.. إلا أن هذا الإدراك وقبل أن أصله كنت مضطرا للعبور من تلك المدينة الزرقاء، هي الأنظف في الكون، شفشاون..
ريهام.. شعرها الأشقر جذبني، خداها اللذان يشبهان خدي طفل مدمن على اليوغورت تخيلتني أداعبهما، وضحكتها العفوية أجبرتني على أن أغادر مقعدي هناك حيث كنت أجلس على قارعة مقهى.. ما غادرته إلا لأستوقفها.. كانت المرة الأولى التي أستوقف فيها أنثى هكذا وسط الشارع على مرأى ومسمع من الجميع، لم أفكر في الأمر لأني لو فكرت ما كنت لأقوم من مكاني، لم يترك جمالها أية فرصة لعقلي كي يمارس دوره في التفكير..
وجدتني أعبر الشارع دونما أدنى انتباه لإشارة المرور إن كانت خضراء أو حمراء أو بلون آخر، كان لون شعرها الأشقر وحده ما أراه، كان هو إشارتي للمرور نحو حياتها.. لم أنتبه لصديقتها أو شقيقتها على يسارها إلا وأنا أقف أمامهما، كانت أنثى بغطاء رأس أسود وعباءة سوداء طويلة لم تخفي الجزء السفلي من بنطلونها الجينز الأزرق ولا حذائها الرياضي الذي يشبه أحذية لاعبي كرة السلة الأمريكيين.. تاهت مني كل الكلمات لحظتها، لم أمر بموقف مشابه من قبل، لذلك بدا كل ما قلته غير ذي معنى، مجرد كلمات لا ترابط بينها… لو حضرت ذاكرتي لحظتها لاستعرت آخر جملة قيلت في فيلم “We bought a Zoo”:
– ما الذي قد يجعل امرأة مذهلة مثلك تنظر لشخص بائس مثلي..؟
لم أقل ذلك ولا أنا تذكرت ما قلته، لكن ما يهم أني لم أتوقف عن الكلام، توقفت فقط لحظة تيقنت أن رقم هاتفها أصبح مسجلا في ذاكرة هاتفي.. حينها فتحت الطريق أمامها وصديقتها لينسحبا، راهنت نفسي إن هي نظرت للخلف قبل أن تختفي عند أول منعرج فسأكون حينها قد اجتزت نصف الطريق نحو تفاصيل جسدها المغري، لم تنظر للخلف لكن صديقتها فعلت..
لحظة تطلعت بهاتفي وجدتها قد سجلت رقم هاتفها تحت اسم “ريهام”.. اسم جميل إذن، لا يختلف عن تفاصيلها الجميلة.. من الجيد أن يتناسب الاسم والمسمى.. كثيرون يقولون أن اسمي لا يناسب شكلي.. لا أصدق ذلك..
لم اتصل بها إلا بعد يومين، بعدما غادرتُ مدينتها وعدت لمدينتي.. وكأني خفت من لقاء سريع يقودني للاندفاع فأخسر المعركة من أول جولة.. هذا ما تعلمته بعد سنوات من العبث، التأني.. مقاومة رغباتي وإن كانت قوية إلى أن تحين اللحظة المناسبة.. لا يهم أن تؤجل الأمر شهر شهرين ولو حتى سنة أو سنتين، المهم أن تبني جسرا من الشوق عند الطرف الآخر لتجعله “مُنصهرا” أثر ذلك الشوق، ولتجعله في الأخير غير قادر على قول “لا”..
– السلام عليكم
– عليكم السلام
– ريهام..؟
– أجل.. من؟
– من أوقفك وصديقتك وسط الشارع.. لم افعل ذلك من قبل، لا اعرف حتى لماذا فعلت ذلك، ربما شعرك السبب..
– بدوت متحمسا..
– ما اعتقدت أنك ستمنحينني رقمك..
– ربما أردت التخلص منك فقط.. ربما ما كان يناسبني أن توقفني وسط شارع مدينة صغيرة يعرفني فيها الكل وأعرف فيها الكل..
– لست أقابل من هن بجمالك كل يوم.. نادرة أنت لذلك ما كان لي أن أتردد.. على أي أعتذر آنستي..
– أعذرك فقط لأنك غريب عن المدينة..
– وما أدراك أني غريب عنها..؟
– لكنتك غريبة.. تتحدث بطريقة سريعة وتضيف سيناً في آخر الكلمات… هههه
– فطنة أنت إذن..
تحدثنا لما يقارب النصف الساعة، لم تكن المكالمة الوحيدة، صرنا نتحدث كل يوم تقريبا، كانت بروح مرحة وبذات متحررة من كل القيود التي تفرضها نساء هذا المجتمع على أنفسهن وعلى من يدخل دائرة علاقتهن الاجتماعية.. لم تكن متحررة فقط، كانت سريعة أيضا، سريعة على عكسي تماما.. لذلك عند نهاية الشهر الثاني وجدتني أركب القطار إليها..
اتفقنا على أن نلتقي بمدينة أخرى، طنجة تلك المدينة التي أجدني أعود إليها عند كل مرة وكأن القدر يريد أن يصالحني معها.. اتفقنا أيضا على أن نلتقي بمقهى “مبروك” هناك بشارع فاس وسط طنجة.. لم يكن الاختيار عبثيا فقبل أن أركب القطار اتصلت بأحد السماسرة العقاريين وطلبت منه أن يجهز من أجلي شقة لشخصين وليوم واحد بنفس الشارع.. صديق طفولتي من عرفني على تلك الشقق وهو من عرفني على السمسار أيضا.
عند الحادية عشرة صباحا كنت ألج مقهى “مبروك”، كانت ريهام قد وصلت قبلي.. بدت وكأنها تزينت من أجل أمسية “مساء السبت”. أفطرنا معا ثم استأذنتها في دقيقتين أنسحب خلالهما لمقابلة السمسار من أجل تسلم مفاتيح الشقة، كان السمسار ينتظرني عند الطرف الآخر من الشارع حيث المقهى إلا أني وبمجرد ما عبرت الشارع حتى سمعت صراخا قويا منبعث من داخل المقهى.. أدرت رأسي مسرعا لأجد ريهام تصرخ وأحد الشباب يسحبها من شعرها بالقوة في اتجاه سيارة متوقفة أمام المقهى.. لم أفهم ما يحدث إلا أني وفي خضم صراخها سمعتها تردد: “أخويا جيت غي عند صاحبتي…”، حينها فقط أدركت ما يقع لكني لم أدرك ما يجب أن أفعله.. أنسحب ببساطة..؟ الانسحاب قد يجعلني أحتقر نفسي للأبد، هذا ما ردده داخلي لذلك وجدتني أخطو دون تردد نحوهما.
– ريهام، ماذا يحدث؟
بمجرد ما ذكرت اسمها حتى ترك شعرها واتجه نحوي، لم يتردد ولو لثواني في توجيه لكمة قوية لوجهي أحسست معها بدوار غريب كاد أن يفقدني توازني لكني تمالكت نفسي واستطعت أن أرد له اللكمة بنفس القوة.. ثم صرنا نتدافع إلى أن سقط كلينا على الأرض، تبادلنا اللكمات لدقائق قبل أن يجتمع حولينا كل من كان بالمقهى، كانت ريهام تصرخ فقط، لم تحاول أن تقترب منا. فجأة أحسست بيدين قويتين تسحبانني للخلف، كان يدا رجل أمن الذي لم يكلف نفسه عناء مساءلتنا عما يحدث بل قادنا مباشرة لداخل سيارة الشرطة التي توقفت لحظتها بالمكان..
على طول الطريق كان سؤال واحد يتردد بداخلي: هل سأسجن من أجل امرأة؟ ربما شرف هو..
وقبل أن نصل بثواني لمخفر الشرطة دنوت من شقيق ريهام الذي كان يجلس على يساري وهمست في أذنه:
– لم نتشاجر بسبب شقيقتك، تشاجرنا بسبب أمور مالية عالقة بيننا..
نظر إلي بانزعاج، نظر لي بما يوحي أنه فهم الأمر ولم يقل شيئا، وبالفعل لم نذكر اسم ريهام قط داخل المخفر لحظة سألنا المحقق عما حدث بيننا، ادعينا أن الأمر مرتبط بقرض مالي تأخرت أنا في دفعه وأن النقاش حول الأمر تطور لشجار.. بدا أن المحقق صدقنا لكن ذلك لم يمنعنا من المبيت لليلة واحدة بالمخفر.. كانت ليلة طويلة لم أنم خلالها ولا نام شقيق ريهام، لم نتحدث أيضا.. انشغلنا بالكدمات التي زينت وجهينا.. انشغلت أيضا بمحاولتي كبح ضميري الذي قرر أن ينتقم مني بطريقة سيئة جدا لدرجة أني فكرت بحق في طلب الغفران من شقيقها، كان الإحساس الأسوء.. استصغرت نفسي ليلتها..
باليوم الموالي غادرت المخفر في اتجاه محطة القطار مباشرة، ومقسماً ألا أعود لهذه المدينة ثانية..
عند الرابعة زوالا وصلت فاس، وكان أول ما فعلته أني نمت لساعات تجاوزت العشر، لم أستيقظ إلا على رنين الهاتف، نظرت لشاشته بنصف عين، كان رقم ريهام.. غريب أن تتصل بي بعد كل ما حدث، فكرت في ألا أجيبها لكن الفضول أجبرني على أن أرد:
– متى نعيدها..؟
– صعب..
– في مدينتك هذه المرة..؟
– أخاف أن يتعقبك لمدينتي أيضا.. ولكن سأفكر في الأمر..

أضف تعليقاً