للكاتب عبد الكريم الساعدي

نص القصة على مجلة قصيرة من هنا

القراءة

تعد القصة القصيرة من أهم الأجناس الأدبية الراهنة، وأخطرها لمّا لها من لحظات حرجة ﻻ تكاد أن تُصاد قبل انزلاقها إلى سطح الذاكرة إلا عبرَ خبرة قاص أمتهن حرفة الكتابة وعرف أسرارها، والملاحظ أن القصة القصيرة الحديثة فيها من الحيلة المخادعة، حيث توهمك ظاهرياً أنها بدون حبكة وساكنة وغير مكتملة فنينا ..هكذا نوع من أساليب الكتابة الحديثة يتطلب متلقياً متأنيًا في متابعة مجرى حلقاتها؛ ليكتشف عناصرها التقليدية ..الصراع والتطور والحل النهائي في أعماق المتن السردي عمّا يلملم آلياتها فنيناً وجمالياً وقصدياً. حرائق ساخرة ممكن أن تصنف ضمن القصص المنتمية إلى عائلة الحرب.. إذ أرًّخ القاص النص بعام 1988 ممّا يحيلنا إلى الحرب العراقية الإيرانية، من جهة وأخرى إذا حدّدنا سسيولكت الكاتب نجده من بيئة عانت ومازالت تعاني ويلات الحروب المتعاقبة وتلقي بأوزارها على الإنسان، على المدى القريب والبعيد نفسيا واقتصادياً واجتماعياً. والقاص عبد الكريم الساعدي هو الابن البار لتلك المعاناة وظلها الموحش الضاغط على أعماق المشاعر الإنسانية التي يحيا بها الساعدي. كل هذا ساعد على اِقتناص هذه اللحظة وتجسيدها عبر سردا ممتعاً, يجعلنا نقفُ عند إنزياحاته التي مثلت الحركة الحيوية للنص. في المتن : يستحضر القاص مشهد مدينة تقع شمال العراق “جومان” فيصور حال جبل “كرده مند” مجسما بهيئة أقرب للمقاتل أو التمثال الشامخ عبر انزياحات مثلت عدسة التصوير. لذا جعلتنا نتذوق حلاوةً سرديةً, يقف “كرده مند ” شامخا مدججاً بمذاق الغضب” يبرز في هذا المقتطف الانزياح اللغوي كعنصر إدهاشي حيث يحاول القاص التلاعب بتلابيب اللغة لإحداث خلخلة في ذهن المتلقي فقوله هذا إنما هو استعارة صفات الشيء المعنوي وإضافتها إلى شيء مادي ملموس إﻻ وهو الجبل، فإذا أعدنا صياغة الجملة نقول على مسافة موت أحمر يقف المقاتل شامخا مدججا بالعتاد وأسلحته الحديثة على سبيل المثال، وسوف لن نقف عند هذا الحد إذ يدهشنا بانزياح آخر متداخل ضمن نسق الجملة أﻻ وهو “مذاق الغضب” وبذلك استعار من الحواس ما يجسد مجساً لقياس حالة الهيجان والغضب ويصطبغ بها الجبل، والملاحظ أن هذا التشكيل ساعد على إعطاء دوراً للجمادات في التحول في لعبة التأثير والتأثر على المتلقي فانزياح التعاطف مع الشيء الحيوي كبطل في سياق الحدث إنّما هو تحريكاً للمشاعر الإنسانية صوب التسامي والرقي الإنساني, وتعد هذه الطريقة ناجعة جداً في إعطاء الحيوية للجمادات وإخداع المتلقي في التفاعل معها عاكسة القصدية التي يتوخها النص. حقيقة النص تم بناءه على خارطة من الانزياحات الناجحة التي صورت المدينة غارقة بمأساة إنسانية حاملة عبء حرب ﻻ تعرف إﻻ أسئلة مصلوبة على دكّة النسيان على حدّ الوصف الذي جاء في النص. جاءت انزياحات عديدة ضمن وصف المدينة: “مدينة تتثاءب وجعا”/ “قيد الهذيان والخذﻻن يلهو في معصمها” وغيرها مما ساعد على تشكيل استهلال ونقطة انطلاق نحو عمل أدبي ذات صدمة وجودية على حد تعبير (سوزان لوهافر) الذي تم استدراجنا بغواية في متابعة أحداث النص. ويتوقف عند حدّ رسم المكان عبر انزياحته الجميلة بل يتعداه إلى الدخول في كلّ تفاصيل الأخرى المغذية للحدث في استهلاله وتشابكه وانفراجه. فبعد أن يصور لنا البطل وهو مقاتل يواجه مصيراً غامضا في هذه المكان المشتعل بالقتل والدمار حيث يقول في إحدى المقاطع “يتنهد بصمت أشجار البلوط الدامعة” هل سيغتالني المكان بلا وداع؟ وأمضي بلا وهج؟” أتت كشاهد على لحظات حرجة يكابدها في مواجهة مصيره, وينتقل من مشهد الجندي إلى مشهد يصور فيه الموت كشخصية عتيدة تهاجم المكان وتبريراً لها جعل الحجر حيويا لائذاً بأجساد الموتى. وكإحساس أخير قبل لحظات الضياع والاستسلام يصور لنا النص عبر مشهد الذاكرة ممازجة بين المكان شاهد القتل والدمار ومكان الآخر الماثل في أعماق الذاكرة في رؤية مدينته. . يمسك ضوءاً تحنّ إليه الذاكرة، ضوءاً ينسلّ من وهج امرأة، غزت منابر الروح” هذا التمازج بين المشاهدين عبر الصراع الذي خالجه المقاتل جسد حالة الصراع والصخب الموجع في كلوم الذاكرة, وأكثر هي نقطة دالة على إثارة مخاوفنا وكراهيتنا للحروب والألم التي ﻻ تريد أن تبارحنا . شكراً للقاص عبد الكريم الساعدي وهذه العدسة التي التقطت مشاهد من الخراب والدمار ليكون منارة رفض لأيّ ظلم وفي أيّ مكان.

أضف تعليقاً