وجد نفسه في هذه الجلسة كحتميّة لبداياته، فاسترجع كيف كانت قريته خالية الأسبوع كلّه إلّا يوم الجمعة، موعد السّوق، وكان أهلها ينتظرون ذلك اليوم، ليقرأ لهم بعض المتسوّقين المتعلمين رسائلهم، ويتفضّلون عليهم بكتابة الرّدود، وكانت كلّها محترمة، حتّى جاء هو، فصار يقرأ للنّاس، ويكتب لهم الرّسائل بكلّ أنواعها، دون أن أفصّل لك، ثمّ كبر، وذهب إلى الجامعة، فصار يترجم كلّ الأفلام للشّباب دون أن أفصّل لك، وكان مطلوبا أكثر في هذه الأخيرة التي بفضلها وجد نفسه في إحدى جامعات أوربا، فاستغلّ الفرصة ليترجم بعض النّدوات، وبعض اللّقاءات الخاصّة للمتاجرين في كلّ شيء دون أن أفصّل لك، وبعض المواعيد الخاصّة، حتّى وصل الأمر إلى اللّحظات الحميميّة، ونتائجها، وقد فصّلت لك، وصار فجأة يحسن ترجمة من نوع آخر لم يسأله عنها أحد، فكتمها، إلى أن يحين وقتها الثّمين. ترجم وترجم إلى أن نسي عدد اللّغات التي يحسنها، وإلى أن أصبح يترجم تلقائيّا دون الحاجة إلى معرفة اللّغة، وقد ترجم مرّة مدّة ساعتين كلام أجانب علقوا في المصعد، ومن دقّة ترجمته وإثارتها رفضوا مغادرة المصعد، ولم يخلوه إلّا بالشّرطة، وكما في المصعد، كان يترجم، ويترقّى إلى أن وصل هذه الجلسة مترجما لزعيمين في عمليّة إشهار التّطبيع، تفاجأ أوّل الأمر كثيرا، وتردّد، لكنّه أدّى واجبه بأمانة ومهارة، وبعدها خاطب الرّئيسين بصوت خافت:
ـ من أخبركما بأنّني أحسن لغة الحيوانات، وأنا أخفي الأمر أكثر من أربعين سنة؟
- لغة الحيوان
- التعليقات


