بعد يوم عمل شاق عاد مُنهكًا مكدودًا. تناول عشاءً خفيفًا أعده على عجل. قرأ عناوين صحيفة مسائية، وبضع صفحات من مجلة علمية. تناول (الريموت) وظل يقلب القنوات. تملكه الملل. أغلق التلفاز ورمى رأسه على الوسادة في ضجر.
راحت الصور تتراقص أمامه كفيلم سينمائي مُزعج: منحة الدكتواراه التي تبخرت إلى أجل غير مسمى. النزاع على ميراث والدته من أبيها والذي استولى عليه أخواله. هجرته من القرية بعد انهيار حلم زواجه. الأعمال التي تقلب فيها ولم يقتنع بواحد منها. حتى استقر باحثًا في مكتب المحاماة الكبير، مقابل حفنة جنيهات لا تكاد تفي بمصروفه اليومي.
سكن الأرقُ عينيه. لم يستسلم. حاول طرده عن جفنيه. انتصف الليل ولم تفلح محاولاته. فلم يجد بُدًا من النهوض من الفراش، لبس ملابس ثقيلة، نزل إلى الشارع بلا هدف. انطلق يضرب في الأرض على غير هدى، لفحته رياح يناير الباردة، وحدها تجوب الشوارع الخالية عاصفة.
ألجأه المطر المنهمر كالسيل إلى أقرب شرفة يحتمي بها، أجال بصره في الفراغ المحيط به، لم يجد حوله إلا الهواء يُصفِّر في أذنيه، ومياه الميازيب تنصبُّ على رأسه. حين هدأ المطر أراد أن يتحرك، لكنه تسمّر في مكانه جامدًا كالتمثال، خُيل إليه أنه سمع صرخة رعب تنم عن فزع هائل، رفع نظره تجاه الصوت الذي مزق سكون الليل، من خلال النافذة المفتوحة في البناية المقابلة لمحه، ذلك الملثم ذا القناع الأسود، وهو يهوي بسكين حادة على جسد فتاة شقراء، ثم يحملها ككيس نفايات، ويُلقي بها من الشرفة الجانبية بدم بارد.
مادت الأرض تحت قدميه من هول الرعب، لا سيما وقد شكّ أنّ عينيه قد التقتا لثوانٍ بعيني الملثم القاتل من خلال فتحتي النقاب الواسعتين، ورغم بُعد المسافة إلا أنه أحس أنّ تيارًا كهربائيًّا قد سرى في أوصاله، فارتعدت منه فرائصه.
لبرهة توقف عقله عن العمل كآلة انقطع عنها تيار الكهرباء. سرعان ما ثاب إلى رشده، أيقن أنه لو لبث في مكانه وظفر به هذا المجرم ليكونن ضحيته الثانية. فانتفض وانتزع قدميه من الأرض انتزاعًا، أطلق ساقيه للريح كنعامة تفرُّ من أسد جائع، استمع له أمين الشرطة المناوب في استنكار، وهو يحرر البلاغ الغريب، سأله هل تناول مُسكرًا أو مخدّرًا؟ أوضح له مغبّة البلاغ الكاذب وإزعاج السلطات. أخيرًا مع إصراره على روايته، تحركت بصحبته قوة من الشرطة إلي العنوان المذكور، ذُهل حين فتحت لهم الباب الشّقراء القتيلة، تبين أنّ (الفيلا الدوبليكس) تستأجرها فرقة مسرحية، وأنهم يتدربون على (بروفة) لمسرحية جديدة.

أضف تعليقاً