بخطى ثقيلة تصّعّدُ الدّرج المتعرّج الهرم.
مجذوبة إلى الكوخ الصّغير في نهاية الدّرج برَوْح عجيب، تلاحق أنفاسا ملتهبة وخواطر متزاحمة متدافعة تكاد تتعثّر بها فتزلّ قدماها وتتهاوى كقطعة طوب عالقة بأكفّ الصّخور الجبسيّة المتناثرة حولها.
“ها أنا وحيدةً أؤوب إلى كوخنا المشرنَق على كتف جبل الصّنوبر كدمعة متحجّرة في مقلة الزّمن، حزينا خاويا إلّا من صدى أحلامنا الغضّة”، تردّد وهي تدفع كومة الحطب قليلا وتمسك بالمفتاح المخبوء تحتها برفق كأنّها تخشى عليه من حمّى ارتجافة الوصال.
يفتح البابُ صدره متحشرجا، تضمّها عتمةٌ باتت تسكن زواياه التي ظلّت تقارع في وهن صولات العواصف العاتية كلّ شتاء، تصدّها رائحة رطوبة حادّة عن الارتماء على الكنبة القريبة من الباب فتهرع إلى النّافذة الصّغيرة تفتحها.
ترتعب من السّحيق الممتدّ أسفلها دونه مهاوٍ صخريّة متعرّجة كأنّها ما رأته قبلا.
تتراجع إلى الخلف قليلا وهي تسدل السّتارة جفلةً متمتمةً:” أنّى غاب عن ناظري هذا الانحدار الرّهيب الذي يُسند كوخنا؟ لا أذكر أنّي رأيته من قبل… أترى نظراتنا المعلّقة بأهداب الغيم غفلت عنه أم كان للوصال العذب سلافته النّاسجة حُجب الضّباب…؟ !”
تفرّ من صدرها تنهّدة ثقيلة حارقة تزلزل كثبان الزّمن المقبور في نبضها الفتيّ.
يمور فيها مرجل الحنين، تجول نظراتها زائغةً في الفراغ الذي يلفّها باحثة عن أثر كان هنا، أو هَمَّ ذات حلم أن يكون، ثمّ تعلق بالنّافذة متسلّلة من ثُقيبات السّتارة القطنيّة العتيقة.
نخلة عقيم محنيّة الظّهر تتشبّث بعنق المنحدر، تفرّ إليها نظرات الزّائرة، تتعلّق بظلّها الممتدّ أمامها في صلافة.
وحدها الظّلال لا تنحني، لا تحدودب، لا تنكسر.
والنّخلة محنيّة الظّهر ترقب ظلّها تخشى عليه من الزّلل.
والظّلّ يمتدّ أمامها يردّد أن ليته حر.
لكنّ قدر الظّلال أن تظل حولنا تدور، تتمدّد، تتقلّص، عنّا لا ترحل…
“أنخلةً ما تراه أحنى ظهرك؟ أهو في الهاجرة ثقل الظِّلال؟ أم في مقصلة العقم، هو الحلم الضَّلال؟”
يقرع السّؤال جرس الحيرة الذي ما هدأت جلجلته الأولى بعدُ، فتفرّ نظراتها من ثُقيبات السّتارة القطنيّة إلى الجدار الوهن.
يتلقّفها، يشدّها إليه، يشدّ عليها قبضته كأنّه يخشى فراقا…
تتسمّر الزّائرة أمامه كمن يقف وسط الدّائرة، لا ضلع يسنده ولا نقطة في قطرها إليه تنتمي…
تتأمّل الجدار بألف عين تزيد، كأنّها تكتشفه للمرّة الأولى، تغرق في لجّ تفاصيله، تتمتم:” ويحي ما أشدّ بؤسي ! ألملم شتاتي، بعضي يضمّ بعضي ووهنةً أستند إلى فكرة، تسندني فيها جملة إلى مبتدإ الحكاية، وأرتجف مقرورة برماد الفجيعة…
أنسيتُ كيف أخبر عنه؟
أأنا الخبر أم المخبِر أم المسنَد عبثا وجلَ انفراط عقد الكلام في نحو الحكاية…؟
أوّاه… كم خاوية بُنى النّصّ دونك !
أتأمّل صورتك التي نحتّها عمرا بظفر الرّوح على جدارنا المنسيّ، أتحسّس في تجاويف الذّكرى تلك الخدوش التي أثخنت ابتسامتك ذات هيجان اشتياق…
ترتجف شفتاي اعتذارا، تتوقان إلى لثم ريحك في الجدار، تُصفعان برطوبة الخواء فتعضّ أعلاهما السّفلى وتتضامّان على وجع.
أترانا يوما نعود إلى مرايا الحكاية نحثو عن وجهها غبار الصّمت، نمسح عرق الأماني المحمومة في رمضاء المستحيل، نلعق جراح خطى مبتورة تأبى التئاما، ونقيم ولائم الاعتذارات للحرف المنسيّ…؟”
تأسرها دوّامة النّشيد:
“كأسك امتلأت بالضّيق المعتّق في جرار أمانيك
الحذرَ يا صاح… الحذَر الحذَر
مترنّحةً تنذر بفيْض فوضى وشيك
لا مفرّ من طوفانها… لا مفر
تكاد، في لجاجة الثّمالة فيها، تنخر سدود الصّبر فيك
وكم سدّا منها، يا صاح، فيك نَخِر…
عجبي… أنّى تظلّ صاحيا وذي الكأس تسكر بما تسقيك… !”
يتردّد في جنبات الضّلوع الصّمّاء صدى الصّدى، والصّوت ينكسر مبحوحا على عتبات وهم النّداء.
كفراشة سحرها الضّوء تتلاحق حركاتها بلا سكنات في أرجاء الكوخ تخطو كأنّها تطير، تدور وتدور وتدور…
في جنبات السّحيق العميق يتعالى نشيج:
لا مركب لي في طوفان الحنين
ذريتني حميما يغرقه الحميم…
وأنت هناك خلف الأنجم غيمة ترحلين
لا طلّ منك يهوّن لفح ذا الجحيم
يراودني الحرف وتلفظني الحكاية
وناي القلب أوهنه الهديل
النّبض بجنانا مفتون كالبداية
والخطو إليك في ذا السّحيق عقيل…
أترانا إلى حياض البوح نؤوب
أترانا بالحرف نعود نرسم الفجر في ثغر الغروب…؟”
مفتونة مجنونة تهبّ إلى النّافذة، محزونة يصدّها عويل الرّياح في السّحيق…
مفتونة محزونة يناديها مصراعا الباب:”
اجدلي الوجد… مدّيه حبائل
كم حبيبا أحياه النّداء
كم حبيبا ارتوى عوده من سيل المقل…
اجدلي الحرف… مدّيه رسائل
كم حرف قَدّ جسرا بين السّحيق والسّماء
كم حرفا شفى نبضا أرّقت ليله غربان العلل…”
تباعد بينها والجدار، تشرع صدرها للهديل، وتخطو نحو ردهة الكوخ المهلّل لقطر الرّبيع.
في البدء كان الحرف وخطوة عاشقة.
- للحياة جرعةُ عشق
- التعليقات

