“احضر حالًا”!
حين قرأ رسالة زوجته على هاتفه، لم يملك إلا أن يلملم أغراضه، وينهي الدرس على عجل، ويتوجه من فوره إلى المنزل، وهو يدعو الله ألا يكون في انتظاره ما يسوء. قاد سيارته شاردًا، راحت الأفكار تعصف بذهنه، لفت انتباهَه مجموعةٌ من آكلات الجيف، تنتهب جثة كلب نافق، على الطريق المقابل، تعجب من تفضيل بعض المخلوقات للحم المنتن، أحس بوخز الضمير حين لاحت له صورتها، وقد دنت منه تستفسر عن مسألة. كيف تدنى إلى مس يدها اليوم، وهو المربي الفاضل المؤتمن على طالباته؟

هل هي خطوات الشيطان التي اقتفى أثرها، مسحورًا بالعينين النجلاوين، والخدود المتوردة، والضفائر المجدولة؟ خيل إليه أنها قطرة ندى، صادفت نبتًا أوشك على الجفاف. سحابة أمطرت روحه؛ التي شارفت على التصحر، فاهتزت وربت، وأنبتت من كل زوج بهيج، قمر أضاء ليل قلبه، فبدد ظلماته، وعاد يشرق من جديد. لكن أي ريح ألقت بسفينتها الشابة إلى مينائه الهرم؟ كيف نسي أنه كهل شارف الخمسين، قد وخط الشيب فودية، وطالبتُه في عمر الزهور؟ ألأنه لم يغض بصره، وأتبع النظرة النظرة؟ ولماذا هي بالذات من دون الأخريات؟

وزوجته، شريكة حياته، أم أولاده، رفيقة كفاحه؟ كيف يطعنها في ظهرها، وينسى سنوات تضحيتها وإخلاصها؟ لقد تغلب على هذه الوساوس من قبل، حين كان في الغربة، فترة إعارته امتدت ثلاث سنوات، فكر خلالها في الزواج هناك، ليحوز الجنسية. زين له شيطانه أنه إنما يفعل ذلك، من أجل زوجته وولديه. لكن لحسن الحظ، ثاب إلى رشده في الوقت المناسب، وعاد إلى حبيبة قلبه.
في غمرة ذهوله لم ينتبه إلى الطريق، فسلك منحنىً خاطئًا، كلفه نصف ساعة إضافية، ليعود إلى الاتجاه الصحيح، تفادى الاصطدام أكثر من مرة، بالسيارات تارة وبالناس أخرى.
هو يعشق الرياضياتِ لدرجة الهوس، حتى في أحلامه يفك طلاسم المسائل، ويتوصل إلى طرق غير مسبوقة للحل، ويخترع من الأحاجي والألغاز، ما يستعصي على أذكى العقول التوصل إلى حلول لها، اسمه في عالم الدروس الخصوصية، أشهر من نار على علم. ضاقت شقته عن استيعاب أعداد الطلاب المتزايدة، فراح يستأجر المراكز التعليمية بالساعة.

لطالما كان يؤرقه نفادُ صبره عن تدريس ولديه، وهو الذي يُفهم الحجرَ الأصم، فاضطر إلى إحضار مدرس لهما بالمنزل، تردد كثيرًا في اتخاذ هذا القرار، عمله يستغرق جل وقته، تعب حتى وجد القوي الأمين، الذي يجمع بين الدين والخلق والكفاءة العلمية، ويأتمنه على بيته في غيبته.

دخل البيت متوجسًا، فارتمت في أحضانه باكية، ربت على كتفها بحنان، شكت له مدرس الولدين: رابتها نظراته من مدة، واليوم تجرأ على لمس يدها.

أضف تعليقاً