..قررتُ أن أضرب عن فتح وغلق الباب، ولو مرة واحدة في حياتي، علّني أحقق بعضا مما أصبو إليه.! وأعتقد أنه من حقي المشروع الحلم ولو بالقليل مما يحظى به الكلب. صحيح أنه اشتراه بأبهض الأثمان بينما إلتقطني أنا من على قارعة رصيف حيث كنت أهش ذباب العطالة عن أيامي وأنا أكاد أبصبص بذيلي من الفرح بعد أن قبِل بي حارسا على بابه الكبير! لكن، ومع ذلك، أظن أنه من حقي أن أحظى ولو بفتات مما يحظى به الكلب، نظرا للمجهود الكبير الصادق الذي أبذله في عملي؛ بينما الكلب مرتاح في سلسلته القوية إلى حد يجعله يتعب من كثرة الراحة فيندفع راكضا قافزا نابحا داخل دائرة هي ماتتيحه السلسلة من مكان في ساحة حديقة الڤيلا الواسعة. وكيف لايفعل وهو مطمئن البال إلى أكل معلب لايخلف موعد وجباته أبدا، وإلى حمام عليَّ أن آخذه إليه كل يوم وأسهر بعناية شديدة على راحة استحمامه وإذا عنَّ له أن يأخذ غفوة في رغوة صابونه الخاص فما علي سوى انتظار إستيقاظه بكل أدب، كما أنه يزور مصحة الكلاب بشكل دوري وتخضع صحته لمراقبة دائمة، وزيادة على كل هذا ينعم كل مساء سبت بركوب السيارة الرباعية الدفع إلى جانب صاحبه في إتجاه حديقة خاصة بالكلاب حيث يتعرف كل سبت على كلبة جديدة. بينما أنا معلق دوما بالباب كمفتاح القفل، فحتى تلك الفرصة اليتيمة التي كنت أحظى بها يوم نلتقي أنا والخادمة في الحمام الخاص بالكلب والقطين حيث أحمم كلب السيد وتحمم هي قطي السيدة، حرمتُ منها بعد أن انشغلنا عنهما فاشتعلت معركة بينهما إنتهت بخرمشة على وجه الكلب جعلتِ السيد ينقله غاضبا وعلى عجل إلى العيادة الخاصة ليطمئن على صحته، بعد أن شتمنا وبصق علينا وقال كلاما بذيئا، ومن حينها مُنِع علينا تحميم الكلب والقطين في وقت واحد، وركبت كاميرا في عين المكان.! لهذا كنت، بعد أن انهي أشغال العناية بالحديقة وإطعام الكلب وتحميمه وتنظيف فضلاته، أتسمر كإحدى أضلع الباب وأنتظر قدوم او مغادرة سيارة السيد أو سيارة السيدة أو سيارة الإبن أو البنت أو زائرا ما لأسرع إلى الباب فوقتهم جميعا لايحتمل التأخير البتة. ولهذا علي أن أكون حاضرا دوما في اللحظة المناسبة كالمفتاح، سواء في النهار أو الليل، وياويلي إذا عاد الإبن المدلل متأخرا كعادته ولم أتحرك سريعا، والطامة الكبرى هي ليلة يوم السبت، حيث يسهرون كل بين ندمائه إلى وقت متأخر ثم يعودون كل بمفرده، فأنام متأخرا جدا، وبينما يظلون صبيحة الأحد نائمين إلى وقت متأخر، أنهض أنا باكرا لأُفطِرَ الكلب كالمعتاد وأحيانا أذوق من أكله المعلب، قبل أن أعِدّ فطوري، كي أدخن سجارة يضبب دخانها الرؤية أمام النوم المتربص بجفوني، ولولا خشيتي من أن يظهر هذا على سمنة الكلب لكنت تناولت كل مرة كمية أكبر منه، ولاأظن أن ذلك الأكل حرام، فالحرام هو تلك الفضلات التي رأيتُ الكلاب البائسة الجائعة تقتات منها في قريتي قبل أن أهاجر، حيث لم يخطر ببالي قطّ أنه توجد كلاب تعيش في النعيم، تأكل من معلبات غالية أشهى مما طُبِخ في بيتي طيلة الأعوام التي مرت علي هناك.! لهذا حسدت الكلب على ماينعم به، بل وتمنيت لو كنت كلبا مكانه، وقررتُ، بعد أن فتحت الباب وأغلقته وراء السيدة التي ذهبتْ إلى الحلاق إستعدادا لسهرة الليلة، أن لاأفتح الباب للسيد، وأدعه ينزل من سيارته الجديدةويسير على قدميه ليفتح الباب إن شاء هو الذي لم أره يوما يترجل من سيارته إلا ليدخل أو يخرج من ڤيلته الفخمة، وأَضرِب عن فتحه وغلقه.وهذا ماكان، بعد أن فككت السلسلة حول رقبة الكلب الذي قفز مستعجلا إلى المقعد جنب صاحبه، ووقفت جامدا في مكاني رغم سماعي زعيق السيارة ثلاث مرات، فأخرج السيد رأسه من نافذتها وقال بنفاذ صبر:
– ألاتسمع.؟ هل أصابك الطرش.!؟
فقلتُ بخوف وتردد:
– ل ل لن أأفتح.!
– ولماذا.!؟
بقيت صامتا مطرقا برأسي ولم أستطع أن أرد، فصاح غاضبا:
– لماذا.!؟ تكلم، ليس لدي دقيقة لأهدرها معك.. هيا إنطق.!
– أأأريد، سس سيدي، أأأن تعاملني كالكلب.!
– أربطك مثله بسلسلة.؟
– لل لا سيدي، قق قصدي على الأقل إإإمنحني مثله ساعة كل أأسبوع، ووخذني في سس سيارتك على المقعد إإإلى جانبك كما تأخذه إلى الحديقة، فف فكلانا يحرس الڤيلا، واربطني حينها إن شئت بسلسلة.!
– وأعرفك كل أسبوع مثله على كلبة جديدة.!
– هذا من أأ أفضالك سس سيدي إن حصل.!
– أنا قوادك إذن.!؟
– ححح حاشا سسس سيدي، أأأنا لم أأأقل هذا.!
فصاح في وجهي محتدا :
– إفتح الباب أيها القواد.!
تململتُ في مكاني كورقة هزتها ريح مرتْ ولم تسقط، ثم خفضتُ رأسي دون أن أسرع إلى الباب، فأطل الكلب من نافذة السيارة وبدا الشرر في عينيه، وزمجر في وجهي متناسيا ماتشاركناه، أنا وإياه، من ملح الطعام وصابونة الحمام، وفهمتُ أنه يقول لي بنفاذ صبر : أسرع، أيها الحسود، فأنا أيضا مستعجل ولاثانية من ساعتي الكلبية يمكنها أن تضيع سدى.! فهرولتُ إلى الباب، ولم ألتفت ورائي.!

أضف تعليقاً