أتعرفون يحيى .. كل من رأه يأكد انه جميل .. كلؤلؤة بيضاء مكنونه .. بريق عينيه يشع عبقرية وفطنة , وذكاء .. الروح ملائكية .. النفس صافية , شفافة .. زهرة برية وردة قدسية .. شعره سبائك ذهبيه .. وجنّات قال لها الإله كونى .. فكانت روحاً, وروحاً , وراح .. وغرة جبينه يرعى فيها النهار, انشودة للحياة .. انفه .. فمه .. شعره .. صوتة .. فاكهة , وحلوى , ترياق , وسلوى , ضحكاته أشهى من الفلوزج وكلامه كالرطب .. مشيته قصائد معلقة .. على جدار قلبي .. جميل الرسم .. والقسم .. والمحيى .. وباختصار شديدا جدا .. كان بالنسبة ليّ , يعني إكسيرًا للحياة يحيي حبيبي .. وُلد مريضا .. قدره هاكذا .. وغالباً الأقدار تختار لنا .. وتأتى بما لا نشتهى , أو نتمنى … القصد .. ذهبت به الى أكبر الاطباء .. وطفت به فى كل مكان .. ابحث له عن دواء .. عن شفاء .. كشفات .. تحاليل .. اشعات .. فحصات ما تركت .. وما قصرت.. وما تأخرت.. ولكن في النهاية .. كانت إرادة الله ………..؟؟ !!
الاطباء عجزوا عن التشخيص .. كل منهم كان يقول .. كلاماً غيرالاخر.. فمنهم من قال ليّ .. ” لا أدرى “.. ومنهم من قال ” لم يمّر علىّ مثل حالته ” ومنهم من كان يبسط لى الأمر .. ليأخذ ما تبقى من راتبى الهذيل ثمناً للكشف ويقول ” بسيطة إن شاء الله “.. ويكتب ليّ رشتة بها من الادوية ما الله به عليم .. أما عن أمه المسكينة , البائسة .. التعيسة .. فقد أكلت عنيها من شدت الحزن , والبكاء عليه .. بالليل والنهار كانت تدعو له .. من اجل ان يشفيه الله لها .. حُجزت بهِ في المستشفيات أكثر من مرة.. وكان فى كل مرة يصل للموت .. كانت تصل ارواحنا معه .. ثم تعود عندما كانوا يضعون له الاكسجين .. وينشطوا له القلب .. فيفيق .. ويعود مرة اخرى للحياة .. ومن كثرة الأدوية.. والعقاقير.. والمسكنات والمضّادات الحيوية .. لدرجة انه وصل , به الحد أن جسده لم يعد يستجيب للعلاج .. اه اه اه ………….؟ ؟ ؟ ! ! !
لكم كنت اتمنى ان يعيش .. ويبقى .. ولكم دعوت الله ان يحيى .. وسميته يحيى ليحيى ولكن هيهات .. هيهات .. فلم يغنى عنه من امرالله شيئا .. ولكم كنت أعد الايام .. والليالي.. بل السعات , والدقائق حتى أره كبيراً أمامي .. وأراه وهو يمشى .. ويجرى .. ويلعب.. يكلمنى واكلمه يداعبنى وأداعبه .. أناديه ويناديني .. بأجمل كلمة في الوجود ..” بابا “.. لكن الايام .. والليالي لم تمهله .. وكانت تمرعلينا الساعات بطيئة جداً .. وكأنها شهور.. بل دهور.. ولكم سعدت كثيراً وفرحت , عندما كنت أراه يضحك .. وفى ذات اللحظة .. كنت اتقطع ألآف , بل ملايّن المرات حين كنت أرى دموعه , وألأمه , محبوسة خلف بريق عينيه .. وانا لم استطع ان أزيل عنه الألم ومرت أيام وشهور.. وبعد ما شابت أيامى .. واحدودب ظهري , وانحنى .. ورأيته يجلس , ويحبى بل كان يمشى .. ويتكلم .. ويبكى عليّ حين يرانى اخرج .. فاحمله على كتفى .. واخذه معى اطوف به الشوارع .. واقضى به حجاتيّ .. فهو يحبنى كثيرا جدا .. وانا أحبه أكثر , فروحي معلقة بروحه فهو يشبهني كثيرا جدا .. لدرجة المطابقة .. ولكم لعبته .. وحملته على أكتافيّ .. و ” العجلة “, وذهبت به فى كل مكان .. واعود به إلى المنزل , لاجد أمه فى انتظارنا وقد انشغلت علينا .. تسألنى كعادتها , وهى تأخذه منى , وهو يبكى عليّ , ولا يريد الذهاب اليها – ” هل بكى معاك وانت فى الخارج “..
فأجيبها وانأ اقبله .. وأضحك .. “لا ” ..
ومر عام كألف عام .. وانتصف العام الثانى .. ويحيى صار يمشى .. ويتكلم .. ويلعب معى , ومع إخوته .. وبدأ المرض يتلاشى منه .. ويختفى شيئا فشيئا .. حتى كدنا أن ننساه تماما .. حتى أنى كلما أردت .. ان اكلم امه عنه .. تشيح فى وجهى .. وهى تقبله .. وتقول , فى غضب ” خلاص يا خويا , ولدى بقى سليم , وعال العال , والحمد لله ,وهو ذى الفل قدامك , والحمد لله” .. وفى ذات يوم .. عدت الي البيت عشاءاَ .. وجدته يبكى بشدة .. سألت أمه عن السبب .. فقالت وهى تعد لى كوبا من الشاي ..” منذ خرجت فى الصباح وهو يبكى عليك .. ” .. فطلبت منها ان تترك كل ما في يدها وتسكته .. فحملته فى صدرها .. ثم صرخت “الحقني الواد بيضيع منى ” فقمت مذعورا .. لأجد وجهه قد إزرق … ولم يستطع ان يأخذ نفسه .. فجريت به الي المشفى وفى الطريق لفظ انفاسه ألأخير .. وهو فى صدرى .. ينظر إلي والدموع ملأ العيون .. ولما وصلنا الي هناك .. وكشفوا عليه .. قالوا لي ” احتسبه عند الله ” فلم ادرى بشئ بعدها .. غير أنى حملته وعدت به الي البيت .. لأجد امه فى انتظاره .. لتطمأن عليه .. فلما رأتنا صرخت وانهارت فصبرتها .. وبتنا بشر ليلةٍ .. تارة نكلمه كما كنا نفعل قبل ذلك .. وتارة اخرى نبكى عليه .. وفى الصباح غسلناه , وكفناه , ثم صليت عليه .. ونزلت معه القبر لأدفنه مع الفحار .. وما أن فككت أربطتَ الكفن الثلاث حتى رأيت بأم عيني نوراً.. يبك ليغمرنا ويملأ المكان لم أرى مثله قط .. فخفت وخرجت مذهولا.. وخررت لله ساجداً .. أحمده , وأشكره وأدعوه .. ثم عدت الى حجرتى .. أخرجت صورته الوحيده التي طالما .. طلبتها منيّ أمه ذات مره .. والحت .. ان اصوره لها .. وكنت ارفض , وامانع لا عن بخل , ولا عن شئ .. سوى انى كنت أشعر بداخلي وأحس إحساس أكيد .. بأنى لوصورته فسوف افقده .. ومع ذلك صورته .. فكانت الصور الاولى والأخيرة له .. والتى مازلتٌ احتفظ بها حتى ألان فوق راسي .. و…..
- لُؤْلُؤًة
- التعليقات