لم تشرق شمس ذلك اليوم ولم يكن فى السماء سوى مزيج من السحاب الأسود والرمادي و مطر ينهمر.
تحولت شوارع القرية الصغيرة إلى برك صغيرة راكدة. بيوت القرية من طوب صنعوه من الطين والماء والتبن يطلقون عليه “الطوب الأخضر” .. ودائما ما يطلون الواجهات بالجير الممزوج باللون الأصفر أو السماوى والأخضر ..
فى أيام المطر تبدو الأسطح بلونها الذهبى، بعد أن يغسل المطر كومات القش المتبقية من عيدان محصول الذرة التى يحتفظون بها ليستخدموها اثناء الشتاء فى ” الحمية ” عندما يضعونها فى فتحة الفرن البلدى فتسخن ” البلاطة” ليضعوا فوقها الخبز والفطير أو كحك العيد وكذلك الأطعمة ذات المذاق الذى يفتح الشهية كالأرز باللبن ” المعمر ” وأصنافا من العجة وطواجن البطاطس باللحم فتخرج الأصناف بعد إستوائها ذات وش يميل للإحمرار فيكون يوم ” الخبيز ”
فرحة تعم كل البيوت كأنه يوم عيد !، عندما يهدأ المطر يخرج الناس كل منهم يحمل فأسه يزيحون الطين من أمام عتباتهم ويصنعون ممرا لعابري الطريق ثم يأتون بحطب القطن والقش يضعونه فى ” المنقد ” المصنوع من الفخار وبعد أن تهدأ النيران بالمنقد يأخذونه داخل ” الدار ” حيث تلتف الأسرة حوله ليمد كل منهم يده يلتمس بعضا من الدفء وسط ضحكات وسمر حتى يتغلب عليهم النوم وسط المندرة فينعمون بنوم دافىء فى ليلة شتاء باردة وممطرة .
تتعالى ضحكات الأطفال ، تراهم فى ملابسهم التى بللها المطر وسيقانهم البنية التى تلونت بلون الطين يلعبون ويمرحون ويقذفون بعضهم بالطين
كأن فرحتهم امتزجت بالماء والطين!.
توقفوا عن الصياح ، تحولوا كتماثيل صلصال صامته عندما اقترب منهم ذلك الرجل الذي يحمل باقة من الزهور ويظهر فى معطف أسود يرتديه فوق بدلة سوداء أنيقة تحتها قميص أبيض ورابطة عنق سوداء وقبعة سوداء تغطى رأسه ويمسك بشمسية سوداء فى يده الأخرى يفردها لتحميه من المطر ، التف الأطفال حوله ، ابتسم ، نحى شمسيته جوار عمود النور الذى انقطع عنه تيار الكهرباء ، وضع يده فى جيب معطفه ، اخرج جنيهات كثيرة ، وزعها عليهم ، عادت الضحكات ،
ركضوا وراء بعضهم البعض ، غنوا :
يا نطره رخي رخي
على شباك البت اختي
والبت اختي سنيوره
شاغله الترتر ع القوره
و القوره صوره وبرواز
حواليها التاج الهزاز
وخدودها
فرط الرمان
ورموشها
تفرش فدان
واصل الرجل طريقه حتى دلف إلى مقابر القرية ،
توقف أمام قبر مجهول لا أحد يعرف إلى أي عائلة ينتمى ؟ القبر مفتوح وقبوه أخذت عوامل التعرية منه بينما تحيطه أبنية المقابر المرتفعه التى تم إعادة بناءها وزخرفتها من جديد وكتب اسم العائلة فى لوحة رخامية عليها ..
ألقى الرجل ببعض الزهور داخل القبر ، وضع البعض الأخر فوق قبو القبر العارية من قشرتها الخارجية.
فى الجهة المقابلة كان حارس المقابر ينثر الماء والتبن فوق أرضية قبر دفن فيه طفل وليد فى الصباح..
شاهد التربي الرجل ، ظل يراقبه مندهشا
يسأل نفسه : من يكون هذا الرجل ؟
إقترب ، إصطنع كحة قوية قبل أن يصل إليه ..
شعر به الرجل ، لم يعره اهتماما ، وقف التربي بصدره العارى فى جلبابه الأسود الرث الذى ربطه حول وسطه وفوق سيقانه الطويله التى امتزجت بالوحل ، حملق فى الرجل ، إنتظر التفاتة أو كلمه تعيره اهتماما ،
بادر بسؤاله : أى خدمة يمكن أن أقوم بها لحضرتك يا بيه ؟ استرسل : هذا القبر مهجورا وليس له صاحب،
الناس ترمى فيه الكلاب الميتة !
قاطعه الرجل بإشارة من يده وهزة رأس تنم عن معرفته ، واصل عدم اهتمامه ، استطرد فى تمتمته وأدعيته التى ختمها برفع يديه للسماء.
ترامى لسمع التربي “أمين” ..
رددها وراءه دون أن يفهم شيئا ؟
كان الأطفال قد مشوا وراء صاحب القبعة السوداء ،
راقبوه حتى اذا ما انتهى من مهمته تجمعوا حوله ،
كل منهم يمد إليه يده قائلا : الرحمة ياعم !
يضع يده فى جيب معطفه ، أخرج ما تبقى معه ،
وزع المال عليهم ، لم ينس التربي حيث اعطاه نصيبا كبيرا فتهلل وجهه ، ظل فضوله يقلقه ، يريد ان يعرف من يكون الرجل ومن يكون فقيد القبر المهجور ؟
يجيبه صاحب البدلة السوداء بصوت هاديء يقول :
– صدقنى لن تفهم أيها التربى ؟!
– أي خدمة يا بيه ؛ ءأبني القبر وأزخرفه لك بالرخام ؟
هم صاحب المعطف الأسود الأنيق بالمغادرة ، نظر لحذائه الأسود الذى غطاه الطين ..فتح شمسيته الداكنة اللون ، زخات المطر عزفت لحنها السماوي ،
خاطب التربي :
لاتسرق الزهور أيها التربى؟!
على هامش النص:
مقطع أغنية يا نطرة
– للفاجومى أحمد فؤاد نجم وغناها الشيخ إمام
- ماء وطين
- التعليقات