اجتاحتني اليوم عاصفة قنوط عبثت بتقاسيم وجهي، و سلبتني بسمتي و راحة بالي، فحبست نفسي في غرفتي وانشغلت بين أوراق الجذاذات و التقارير حتى شعرت بأنني أختنق. خرجت من البيت إلى غير وجهة ،استنجدت بصديقاتي لعل احداهن تؤنسني ،فاعتذرت كل واحدة منهن بمبرر، وجدتني وحيدة ولم أشعر الا وقدماي تقودانني الى البحر (الكورنيش)؛ كان هو الآخر معكر المزاج ، كثير الأمواج ، وقد تغير لونه وتكدر صفوه. بدا كأنه يؤازرني في محنتي ويشاركني حزني.على طول “الكورنيش” مشيت ويداي مدسوستان في جيبي، ساهمة شاردة النظرات. أحسست أن بداخلي فوضى أبحث عن كيفية ترتيبها، و إعادة تنظيمها، لهذا لم أعبأ بأصوات الموسيقى المنبعثة من مراكب النزه البحرية و لا لنداءات أصحابها، و لا لتيارات البشر التي خرجت لسبب او لآخر لتستنشق أنفاس البحر البليلة.
على مبعدة يسيرة من البحر جلست على احدى الكراسي أطالع البحر في وجوم،فكرت في أن أخرج هاتفي لألتقط بعض الصور أمام البحر لعلي بذلك أنفض عني هذا القنوط المميت .دسست يدي في محفظتي فتحسست وجود كتاب أخرجته ،سرعان ما تعرفت عليه؛ هي المجموعة القصصية “النظير”لأستاذي”ميمون حرش”. كنت قرأت بعض قصصها و لم أنه البقية ، ولأني اعتدت أن أحمل الكتب في محفظتي بدل أدوات المكياج -كما تفعل قريناتي- فلم أستغرب وجودها، فقد تذكرت أني حملتها معي ذات مرة لأقرأها فنسيتها هناك ..
ما إن فتحت الكتاب حتى عبثت الريح بصفحاته و كأنها بدورها تريد تصفحه، واذا بها تستقر عند قصة عنونها القاص “ميمون حرش” ب” النظير أو الفنان هج”. تساءلت و أنا اتأمل العنوان- وقبل أن أقرأ المتن -كيف أقرا هذا الاسم؟ هل هو هُج أو هَج ..؟ ثم، ماهذا الاسم الغريب الذي لم أسمع به قط..؟ترى من هج هذا؟ !!
انغمست في قراءة القصة؛ قرأتها مرة فمرتين،تعجبت من حبكة السارد ،أطرح سؤالا أجيب عنه فأمسح الاجابة و أبحث عن إجابة أخرى أكثر عمقا.ومن غير وعي صرت أقارن بيني و بين هج.. !!
السارد كان غريبا و قد شعرت اليوم أنني غريبة الى حد ما في المكان الذي أنا فيه ،شعرت بالعيون تراقبني وأنا أقرأ الكتاب على حافة البحر، بل إني أكاد أسمع همساتهم الساخرة، وبعض الفتيات “المونيكات” يمررن بي يرمقنني بنظرات غريبة وكأني كائن سقط من الفضاء !! ربما لأني لم أكن مثلهن أرتدي السراويل الضيقة والتنانير القصيرة، ولم أطلق شعري لتعبث الريح بخصلاته مثلهن. كيف أمسك في يدي كتابا بدل هاتف نقال؟ كيف أقرأ بدل أن أضع سماعات لأستمع لأغاني اليسا أو هيفاء.. !!كيف أتلهى بشخصيات خيالية في القصص وأتجاهل أشخاصا يمرون بي يوزعون الغمزات والبسمات وأرقام الهواتف..؟؟ !حقا أنا غريبة غرابة السارد.
“أنا اليوم تئق و نظيري بينكم مئق و يبدو أننا لا اليوم و لا غدا نتفق..هو سيظل تحت و أنا دوما فوق..” توقفت عند هذه العبارة مطولا لأنني أحسست أن قصة أخرى تتلخص في هذه العبارة. أنا اليوم تئق و نظيري بينكم مئق نسبة الى المثل القائل ” أَنت تَئِقٌ وأَنا مَئِقٌ ، فكيف نتَّفق” .انت سريع الغضب و أنا سريع البكاء فكيف نتفق !!
وجدتني في جدال مع نفسي ؛ هي تقول و أنا اقول، هي تجزم و أنا أعارض، هي تقسو وأنا أحن، أنا أرمم وهي تهدم، أنا أسامح و هي تعاند.. زوبعة عنيفة اجتاحت كياني زادتني فوضى على فوضى !عدت أتساءل هل يوجد لأي شخص نظير بحيث يتفقان في كل شيء و على كل شيء؟؟وإن وجد؛ فهل ستحلو الحياة بوجوده؟؟ أسئلة محيرة أثارها هذا الهج..!!
غريب! في رحلتنا القصيرة نبحث دائما عمن نتفق معه ويصدقنا القول والفعل ونصدقه؛ في صداقتنا ،في زواجنا ،في علاقاتنا المختلفة ،لأننا ببساطة لا نحتمل أن نعارض، نود دائما أن نكون على حق وإن جُدلنا نعد العتاد و نقاتل و نستميت حتى وإن كنا على خطأ.. !!
لكن السؤال الذي يطرح نفسه، هل نرضى بالنظير الذي يقتضي أن يكون شبيها لنا ومساويا ومثلا في الأهميَّة أو الرُّتبة أو الدَّرجة ؟؟ و هل حقا نبحث عن نظير؟ أم أننا نبحث عن مكمل؟؟ و لماذا؟ لأننا لا نحتمل ؟ أم أنه كما قال القاص ميمون حرش في مقدمة مجموعته “الانسان ليس منه نسختان و أي بحث عن نظير له هو مجرد عبث..”
- ماذا فعلت يا هج..؟؟!
- التعليقات