جلست أتأمل بصورة والدي .. ذكراه تراودني كثيراً في هذه الأيام، و الشوق يغالبني، كما الذكريات تلعب بمخيلتي ..فرأيتني تارة أبتسم وتارة تدمع عيناي،
وكأن الواحد مننا كلما زادت سنين عمره، يحن أكثر لذكريات ماضيه. وخاصة حين يمر بمواقف متشابهة حصلت معه في مراحل حياته وتعود مع اختلاف المكان والزمان والشخصيات التي يتعامل معها .
مرت بمخيلتي صورة جميلة أراها الآن أمام ناظري .. سيارة والدي تجوب شوارع مدينتنا التي كانت جميلة رائحة الزنبق والفل والورد الجوري أنعشت أنفاسنا حين مررنا بمتجر يبيعها والياسمن يشاركها بعبقه ينتشر من البيوت على كتفي الطريق..
كنت بجانبه نستمع لأحداث مباراة من المذياع تقام على أرض الملعب البلدي لكرة القدم .. حينها كنت في الثاني عشر من عمري كنا نبدوا لهم كباراً ونحن صغاراً على غرار الأجيال الآن فهم كبار بعقول الصغار .. إلا من رحم ربي.
التفت إلي وسألني مسامراً:
_بابا حبيبتي مارأيك: إذا قيل لك بأن والدك سيصبح رئيساً للجمهورية؟
_ قلت بابا حبيبي: سأرفض تماماً !!
_ ترفضين !! ولماذا هذا الرفض؟ والناس تفرح لذلك ؟ غريب
_ لأنني أحبك
_ ولأنني أحبك كثيراً أخاف عليك كثيراً ولم أفرح أبداً .. لأن الشعب حين يأتي الرئيس يصفقون له، وحين يذهب يزمرون ويحتفلون .. أو يظلمونه ويغتالونه بدم بارد…مساكين أزعل عليهم
ضحكات والدي غلبت كل الأصوات .. حينها خفت أن ينحرف مقود السيارة من بين يديه
_ صرخت بابا على رسلك هل كلامي مضحكاً لهذا الحد ؟
هز برأسه حسرة وقال: لأنه يابنيتي شر البلية مايضحك.
وبعد مرور السنين استيقنت وحللت اللغز الذي حيرني حينها ،
وفهمت الحقيقة التي غابت عني .. وتؤلمني الآن جداً…

أضف تعليقاً