تعرف الترجمة نشاطا لا مثيل له، مقارنة بحركة الإبداع الأدبي للطفل العربي:
سالي، سندريلا، هايدي، باربي، بيل وسيباستيان، ميكي ماوس، بوبيي، أليس، كوزيت، بيتر بان، الحسناء والوحش، … أطفالنا محاصرون من كل جانب؛ في مختلف الأعمار، من الطفولة المبكرة جدا حتى مرحلة الفتوة … ولا تزال حركة الترجمة في أوجها كأنها تؤسس لمنظومة القطب الواحد … لا مجال لاسترداد النفَس …
كتابات تحمل نسائم طفولية إنسانية بالفعل، ولكنها في كثير من الأحيان تحمل خصوصيات وتعبر عن أوضاع ثقافة وحضارة أخرى …
هذه الملاحظة تدعو للتساؤل المرّ: ترى أين المبدع العربي للأطفال وسط كل هذا؟ …
حين تَحدّثت الموهوبة مريم أمجون ذات التسع سنوات أمام الإعلام العربي استشهدت بعنترة بن شداد. ترى لماذا عنترة بالضبط؟ … لأن ساحة الكتابة للطفل العربي لم توفّر أبطالا عربا على شاكلة: (هاري بوتر) لتستشهد بهم … فقفزت أمجون لعنترة بن شداد. ولقد صرحت في حوار دافئ لها مع زملائها قائلة: “من بين الصعوبات التي واجهتني: عدم وجود الكتب التي تناسب سنّي”.
ولتلبية رغبة أمجون وآلاف الأطفال العرب الذين ينتظرون من الريشة العربية للأطفال أن تشتغل وأن تقدم لهم أدبا يلبي احتياجاتهم وواقعهم وأحلامهم ويعبر عن تحديات عصرهم … وجب على منظومة الإبداع العربي أن تتجاوز مرحلة الترجمة.
قد تكون مرحلة الترجمة مرحلة ضرورية مرّ بها العالم العربي في أدب الطفل، نظرا لحاجته الماسة للنصوص في وقت الاستعمار وبدايات التحرّر، ولكن آن الأوان –وقد مرّ كلّ هذا الوقت بعد الاستعمار- أن نتجاوز هذه المرحلة. آن الأوان أن نحترم مبدعنا العربي للأطفال وأن نضع ثقتنا فيه، وأن يتجاوز هو بدوره عقبة الأعذار والظروف القاهرة ليكتب للطفل ما لذّ وطاب … وما يتجاوز كلّ التّصوّرات، وأظنّ أن المبدع العربي للأطفال الآن قد استوعب أدب الطفل جيدا لأنه تشرّب حتى التخمة الْمترجَم من الأعمال …
ولنا في الثراء الشفوي للأطفال، والأحضان الدافئة للأمهات والجدّات، وفي التنوع الثقافي، والمناخي، والتضاريسي … وعلى مستوى التقاليد والعادات والألبسة والطبخ … وفي أحوال أطفالنا في القرى والمدن والشواطئ والجبال … في منازلهم وفي مدارسهم وفي الشوارع والأسواق … وفي مشاغباتهم وظروفهم وأحوالهم وضحكاتهم … ما يكفينا لنشمّ في كتاباتنا للأطفال رائحة حضارتنا العطرة بالخير والقوة والجمال … أطفالنا يحتاجون منا أن نملأ حياتهم بأحلى المغامرات وأعمق الخيالات وأدق العبارات وألطف الأحاسيس … فلنعطهم، لمَ الْبخل؟ …
طبعا لا ينبغي أن تقف حركة الترجمة النقية الانتقائية لأدب الطفل لجوانبها الإيجابية المتمثلة في فوائدها في تتبع الجديد ومواكبة العصر وتعريف الطفل بالإبداع الإنساني … ولكن حبذا لو وازتْها حركة إبداع عربية قوية في جميع أنواع الأدب تتحكم بزمام الأمور وتُبرز لنا ما كان مختبئا لدينا من كنوز … حتى لا تقع في مشكل الاستيلاب والغزو الثقافي منذ الطفولة …
ومن هنا وجبت الإشادة بمجموعة متميزة من دور النشر وضعت ثقتها –رغم الإمكانيات البسيطة والإكراهات القوية- في المبدع العربي وفتحت أمامه المجال ليقول ما عنده لأطفاله … ونشرت له مختلف الإبداعات متحملة عبء المخاطرة التجارية ومتكبّدة عناء البحث عن الكاتب الجيد والنص الجيد والرسام الجيد والمصمّم الجيد … ومخاطِرة لأجل إثبات الذات في السوق العربية للطفل والتي أصبح فيها الإبداع العربي غريبا عن محضنه الذي لا يزال مشتاقا إليه وإلى عطاءاته وإبداعاته …
- متى نتجاوز مرحلة الترجمة في أدب الطفل؟
- التعليقات