لملمت الحرب أوزارها بعد أن أثخنت القرية ترويعا وتشتيتا وتجويعا.
كلّ المروج الخصبة باتت هشيما مترمّدا، والسّماء ألجمت قوافلَ مُزنها.
امتدّ الجدب طويلا، سنوات عجفاء باتت تَجترّ وهم الرّبيع.
خلا جوف القرية من بقايا السّكّان وارتمى النّاس في لجج شتات جديد لهاثا خلف فُتات الحياة على أرصفة المدن القريبة يعرضون للعمل أجسادا نحيلة وأبناء لايزالون يرتضعون الحلم ونساء نسين فوح البخور في الخدور…
على تخوم مقبرة القرية ظلّ زوجان يتشبّثان برسوم ديار الأهل المفرغة منهم. لكنّ ضراوة الجوع اشتدّت عليهما حتّى فترت سواعد الصّبر فيهما.
ذات حلم رأى فريد أنّه وزوجته يبنيان لهما منزلا على ضفّة النّهر البعيد.
رأى ولدا ومرجا خصيبا، ورأى سبعة ذئاب تُغير على خروف عيدهما فتذبّها أهازيج جمّال.
وضجّ سمعه بصدى نداءات تدعو إلى الرّحيل.
استيقظ مفتونا برؤياه. هبّ إلى زوجته مناديا:
– أسارةُ أبشري… غدا يستقبل صدر الأرض فيضا ونرتشف رضاب الرّبيع نبضا نبضا. هلمّي نرتحل إلى ضفّة النّهر البعيد.”
صاحت والعجب يسربلها:
“ألا يمكن للرّبيع أن يدنو من ديارنا حين يهلّ…؟ لمَ علينا هجر الموطن حتّى نظفر بفوح الخصب ورَوح الحياة… وماذا عن فوح الأهل فينا من خميلة ذي المقبرة؟
ردّ على عجل وفي الصّوت أزيز العزم:
“إنّي رأيت حلما يا سارة.
وصادقةٌ، أسارةُ، أحلامُ الجوعى إذ يعتنقون المنى
لاشاةَ نملك ولا راحلة… ومالَنا هنا زرع ولا تجارة، والأهل باتوا أرواحا سترافقنا حتّى المنتهى.
هلمّي فضفّة النّهر البعيد نادت وقد أسكرني صوتُها والصّدى…”
ابتسمت الزّوجة وأجراس الفقد قد فتحت فيها سواقي الأسى.
لكنّها ما ألفت إلّا أن تقفو كلمات زوجها وخطاه، وما بات لها خلّا في دروب العمر إلّاه.
شرعت تلملم متاعهما الهزيل وما ظلّ في بيتهما من نزر زاد كابدا أوينات القحط الطّويلة حتّى لا ينفد.
تأمّلت الأفق الشّاحب وهي تتمتم ضجرة بارتحال ظلّت تذبّه منذ سنين الشّتات الأولى.
تمتمت:”يبدو أنّك قدرنا أيّها النّوى… هزمناك والحرب تجتثّ من رحم أرضنا جذور الحياة، فأينعت أهازيجنا على ضفاف القبور، ثمّ ها أنت تنتصر وقد خلنا أنّنا امتددنا آن السِّلم جذورا لذاكرة الأرض في ذي الحياة، وما أقسى الارتحال وهديل الغائبين هادر في نايات الصّدور…”
على مرآة وجهها قرأ فريد لُجج الوجع.
حمل نزر المتاع على ظهره وشرنق قربة ماء إلى صدره، وأشار إليها أن “هلمّي نلج البيداء…”
كانا يعرفان الدّرب إلى النّهر.
والدّرب كان يذكر خطاهما.
والرّحلة نحو ضفاف النّهر البعيد بدت في الحلم طويلة…
ظلاّ يحثّان الخطى حتّى لا يطبق الدّجى فكّيه عليهما قبل إدراك بعض نخلات بدت لهما من بعيد باسقة في شموخ يتحدّى مقابر النّضار في رحم ذي الصّحراء العجوز…
تنفّست الصّعداء وهما يدركانها.
جالت نظراتها بين النّخلات الملتحفات ببقايا جدائل الشّمس المنسحبة خلف الكثبان البعيدة.
ما ظفرت بغير أنين العشب.
فرّت منها تنهّدة وهي تهمس: ” ليتني حبلى…”
ابتسم…
ردّد:” لو كنت حاملا لانتظرنا الرّزق حيث كنّا…؟”
هزّت رأسها بشدّة وهي تقول:” لو كنت حاملا لدرّت ضروع هذه النّخلات الهرمات رُطبا…”
قهقه، شرق بالكلمات تتناثر من فيه كالزّبد:” عصر المعجزات أفل… لا رُطب ولا زمزم.”
ردّت سارة مشاكسة:” حوّاء معجزة درب آدم الفريدة… من ضلعه انسلّت امرأة حبيبة، ومن رحمها انسلّ وليدا لا يفقه من الحياة شيئا وبِهَدْيِها يمسي رجلا بحبّها خفّاقا حتّى منتهى العمر، فأنّى تخلو من زهر الحبّ فيها المعجزات..؟”
همس كالثّمل الهائم:” أجل… ما ظلّ غير الحبّ محرابا كؤوسه بشهد الوجود تنضح… معدمان نحن في صدر البيداء، عقيمان، والحبّ فينا رحم رحب، بأجنّة الحلم خصيب.”
في خافقها شدَت بلابل الوله، وحولها طفق بوم الصّحراء ينوح…
ارتجفت شفتاها وعيناها تعانقان نظراته الحالمة قبل هجمة الكرى.
أسندت رأسها إلى صدره وهي تُرسل جفونها تستسقي نعاسا متلمّظة شهد الحبّ في الصّحراء المقفرة.
وكما الذّئب نام فريد…
ظهره بجذع نخلة احتمى، وبساعديه حبيبَته احتوى فحمى، وسمعه ظلّ يقظا رغم سلطان الكرى.
مع أولى تباشير رسل الضّياء استأنفا الطّريق.
امتدّ مسيرهما سبْعًا والمخدع يتقلّب بين جذع نخلة وهنة وشجرة طلح هرمة وأخدودا عميقا في وجه البيداء أوغل ليضمّهما بين ضلعيه مرتشفا من أنفاسهما شذى ربيع طال نواه.
ذات صباح استيقظا على مذاق التّراب فهبّا واقفين ينفضان عنهما بعض رمال تكدّست فوقهما ليلا.
طفقت الشّمس ترسل جدائلها على الدّرب المغبرّ وجلة، وعاصفة لاتني تشحذ سيوف العويل وتجمع في جراباتها حبّات الرّمل زادا لغضبة موشكة.
تعلّقت سارة بحزام كان يشدّ سروال فريد وهي تقفو خطواته التي كانت تكاد لا ترى غيرها.
اشتدّت العاصفة…
وهنت خطى سارة، باتت تشعر بدوار لا يني يشتدّ أكثر كلّما تقدّمت بهما الخطى.
هتفت:” لنتوقّف قليلا.”
ارتدّ إليها الصّدى مفرغا من جواب.
ما كان فريد يسمع إلّا ضجيج جحافل العاصفة يتناهى إليه مشبعا عويلا.
حاولت التّمسّك بحزامه أكثر.
كفّاها باتتا نديّتين…
طفقت قبضتاها ترتخيان…
وفقدت سارة آخر هُدب ظلّت تجاهد إفلاته من يديها.
صاحت مذعورة:” انتظر يااا فريد.”
وفريد كان يجاهد أمواج الرّمال مردّدا من خلف لثامه:” تمسّكي بي جيّدا يا سارة، لا تفلتي الرّباط… تمسّكي…”
صارت العاصفة تَدْحَر خطى سارة بعيدا.
شرقت بالرّمل وهي تصرخ فزعا. انغلقت عيناها على حفنات من دمع الصّحراء. ولفّها الوهن في قماط العجز.
ضمّتها إغماءة فسقطت مغشيّا عليها في غياهب عاصفة تُغيّبها عن خطى زوجها.
صارت خطى فريد متماوجة بين وريد الصّبر وأراجيح العاصفة المجنونة.
خشي الوقوع فمدّ يده إلى الخلف يشدّ الرّباط ليقرّب سارة منه أكثر فانجذب إليه مطواعا مفرغا من ثقل أمانة كان عليها وصيّا.
شهق فريد… صاح :” أينك يا سارة…”
استدار باحثا…
عيناه ما كانتا ترمقان غير عتمة مصفرّة محمرّة تلفّه والمكان…
صارت خطاه تضرب على غير هدى ولا تقع على غير فقد…
وجلا فزعا مكلوما، ظلّ يكابد العاصفة بحثا عن زوجته حتّى تعثّر برباطه فسقط…
أراد الوقوف فذرته العاصفة ليقع حيث سقط فشعر بألم شديد في رأسه.
مدّ يده يتحسّس الوجع فعادت إليه ملطّخة دما…
وكم كان فريدا يرهب الدّماء…
طفق يمسح كفّه في ثيابه وهو يصيح :” سارة… أينك يا سارة…” ثمّ استسلم للغياب …
لسعته سياط الشّمس…
فتح عينين مرهقتين فامتلأتا ترابا و قد ألفى نفسه مغطّى بكومة رمال…
طفق يمسح عينيه و هو يلعن زمن الجوع و الارتحال…
لملم أشلاء فكره التّائه فانفتح فيه جرح الفقد العميق…
قفز واقفا…
ضجّت الصّحراء بنداءاته و سارة لا تسمع صوتا ولا صدى.
على ضفاف النّهر كانت سارة طريحة الفراش…
زوجة الرّاعي الذي وجدها، والرّمال تكاد تطمرها، تسهر على زقّها نبض الحياة وهي موغلة في الغياب.
“النّبض ضعيف، و الحمّى ضربت أوتادها في جسدها.” قالت زوجة الرّاعي لحماتها…
“هل سقيتها ماء الحنّاء..؟”
“طبعا..و سقيتها عسل التّمر أيضا… إنّي تحسّست في رحمها جنينا…”
“جنين في رحم تائهة في الصّحراء…؟ عجبا !”
“لا تستعجلي نظم الحكاية يا عمّتي، حين تستردّ عافيتها ستخبرنا…”
و انكفأت الكنّة على سارة تتحسّس جبينها الملتهب.
ألهبت خطى فريد الصّحراءُ في سعي بلا بوصلة…
نفذ الزّاد وجفّت آخر قطرة ماء في قربته…
والشّمس بدأت تتسلّل خلف كثبان الرّمال الجاثمة على صدر الأرض كهمّه الثّقيل…
غير بعيد عنه تراءت له سدرة ضخمة.
التهمت خطاه الدّرب إليها، ثمّ اتّسعت حدقتاه و هو يدنو منها…
رأى سدرة مجوّفة كزريبة.
أذهله أن يرى فعل البشر فيها.
لقد استلّوا قلبها وجندلوا فؤادها.
دار حولها يتشمّم فوح بشرى الولوج إليها حتّى وقع على ضالّته، بعض غصون مقتطعة مكدّسة يبدو للعابر أنّها بعض من السّدرة يعبق بالنضار…
دلف إلى جوف السّدرة وهو يرمق الشّمس يقضمها كثيبُ رمل شيئا فشيئا.
تاهت نظراته خلفها وهو يخطو داخل السّدرة فتعثّر بشيء صلب.
هوى عليه يفحصه فإذا هو وتد.
صاح:”زريبة إذن أنت !!..” و مدّ يده يتحسّسه و قد شرع الدّجى يسدل جناحيه فوقعت على بعر، ضغط عليه فألفاه طريّا، هزّ رأسه متمتما “زريبة جمال… إذن في المكان ذئاب… اكتملت بأساؤك يا رجل…”
انتقى لنفسه مكانا وسط السّدرة ليتّقي مخالبها بعد أن أحكم إغلاق المنفذ إليها واندسّ في حضن نومة قد تنسيه صهيل خيول الجوع الجامحة فيه.
أقضّت مضجعه عواءات ذئاب ظلّت تجوس حول مخدعه وقد أثملتها رائحة الحياة في جوف السّدرة وما استطاعت فكّ طلاسم الولوج…
لم يستطع العودة إلى النّوم فأخذ يقفو أفكاره التّائقة إلى رسم خارطة نفاذ من المتاهة التي ألقت العاصفة به في حبائلها.
تمتم”عمرالبعر يومان.. ودأب الإبل أن تستقي و تؤوب… سأنتظرها وأعدّ الأيّام…”
ظلّ فريد خمسة أيّام بلياليها يبحث عن آثار خطى زوجته، يطارد الجنادب نهارا و يسأل الصّحراء بعض عشب ليسدّ رمقه ثمّ يأوي إلى حضن السّدرة تلملم تيهه ويلملم فيها مزق فؤاده المتلظّي فقدا و فزعا ممّا تُخبّئه جرابات الغد…
ذات غفوة رأى أنّه يزهر…
“عجبا” صاح ” أنّى أُزهر..؟”
صاح الزّهر المتشرنق به “ألا إنّك من طين، وفي جوف الطّين نبض حياة… وهل للحياة غير الزّهر وجها…؟”
ردّد:”غدا من جوفك يا سدرة ينتثر فيّ الضّياء…”
وظلّ ينتظر الفجر في أتون شوق عجيب.
عطّلت الذّئاب اسطوانات عويلها وسحبت أذيال جوعها بعيدا عن سدرته فقفز واقفا متناسيا عواءات الجوع الضّاجّة فيه يقلّب نظراته في السّماء الرّانية إليه بلا رائحة لبشرى الحلم…
غادر السّدرة على عجل…
جالت نظراته في المكان على قلق كأنّها تقضم جمرا…
لا بارقة تومئ إلى بشراه.
حزينة عيون السّماء، مثقلة وجعا، وجهها شاحب كالفزِع، والسّحب تلملم مزقها فارّة بلا بوصلة…
تاهت نظراته خلف غيمة بدت تكابد تيّار الارتحال.
“موثقة هي بأوتاد الحنين إلى انسكاب وله في كفّ الأديم لا رَيْبَ…”
تمتم وهو يجاهد رسم ابتسامة سافرة على شفتيه المحترقتين صمتا. ثمّ جرّ خطاه نحو شجرة السّدر الوطن..
لا رغبة لديه في مطاردة الجنادب، وأعشاب الصّحراء الضنينة باتت حنضلا.
توارى صهيل الجوع خلف ضجيج الوجع…
جلس في جوف السّدرة ضامّا ركبتيه إلى صدره، متكوّرا كجنين حتّى أَسَرَتْه غفوة فنام…
على ضجّة قفز فزعا…
كانت الشّمس تندسّ في حضن الكثبان من جديد…
التصق بزاوية قرب المنفذ إلى السّدرة حتّى أضحى صنما.
علت الضّجّة أكثر…
سمع صوتا بشريّا يُبسمل و رأى يدا تفتح المنفذ إلى السّدرة ثمّ تدافعت ثلاثة جمال إلى جوفها فانتصب واقفا.
ذُعر الرّاعي و هو يُلفي نفسه أمام رجل يستوطن سدرته، صاح وهو يلوّح بعصاه:”من أنت…؟”
تلعثم فريد وهو يردّد:” تائه في الصّحراء قادتني قدماي منذ أيّام إلى هنا…”
على عجل ولج الرّاعي السّدرة وأحكم إغلاق منفذها ثمّ هبّ إلى فريد يسقيه ماء ويطعمه بعض خبز وبصل وهو يقول:” غدا أحلب النّاقة وأروي جسدك الظّمئ.”
فابتسم فريد حتّى أنكرت نفسه الابتسام.
تمتم:” قد يرتوي الجسد يا أخي لكنّ بي روحا أضناها الفقد والحزن حتّى بات الوجع يسقيها جدبا كلّ حين…” ثمّ طفق يروي له حكايته.
شرق فريد بمجامر الحكاية تُلهب كلماته…
شرق الرّاعي بتفاصيل الحكاية وفكره يملأ الفراغات فيها بأشلائها الغائبة عن فريد، الحاضرة في كوخه الصّغير على ضفّة النّهر القريب.
صمت فريد وأصوات الوجع فيه تتصاعد ضاجّة بأسئلة لا تنتهي.
بتؤدة تكلّم الرّاعي زارعا خمائل الفرح في الفؤاد المتلجلج وجعا وتسآلا، فقال:”كانت عاصفة مرعبة… ارتبكت الجمال ولولا السّدرة لكنت فقدتها. وما أن انتهت مع تباشير الفجر حتّى افتضضت الدّرب ميمّما وجهي ضفّة النّهر. وبينما كنت أحثّ الخطى حتّى تناهى إليّ أنين. التفتّ لأجدها على يميني غارقة في عتمة الإغماء، سابحة في لجج الوهن، لا تفقه قولا ولا تهتدي إلى جواب… لقد ظلّت خمسة أيّام تكابد الحمّى ومعها تكابد زوجتي الصّبر والسّهر وتعانق أمل شفائها حتّى تعافت بالأمس و عادت إلى الحياة سالمة هي والجنين. وروت لنا حكايتكما.
_ من؟ سارة…؟
_ أجل.
_ أينها الان؟ جنين…؟ أيّ جنين…؟
_ ابنكما الذي تنتظرانه… كم خشينا أن تقتله الحمّى التي سكنتها.
_ ابننا…؟
_ نعم. زوجتك حامل… ألم تكن تعلم؟ !
_ كلّا…
قالها فريد وخرّ ساجدا لله متمتما بدعاء لم يفقهه الرّاعي وعيناه تسقيان أديم الصّحراء بمُزن الفرح.
بعد عشرين عاما، في جوف واحة نخيل غنّاء تمتدّ من النّهر إلى السّهل وقف شابّ، تتراقص خمائل الفخر في ابتسامته، بين يدي عجوز يتّكئ على باب مسجد صغير، يروي له حكاية والده فريد مخصِب الصّحراء.

أضف تعليقاً