بكرت مكمما قاصدا دائرة الشرطة لأجدد بطاقتي الوطنية المنتهية صلاحيتها. أسير على أقصى الرصيف كعادتي. فجأة ،شعرت كأن خازوقا يخترقني، رفعت رأسي فالتقت عيناي بعينين تقدحان شررا. السائر في الاتجاه المقابل. تفوه بكلمات نابية لأنني،كما قال ، أنظرإليه شزرا. فهمت منها أنه تطيرمن مصادفته لخلقتي البئيسة مع الصباح الباكر. ويخشى على يومه ألا يمر بخير؛ لأني وجه نحس من صَبَّحْتُ عليه لن يرى خيرا في يومه. لم أعره أي اهتمام وتجاهلت رشقه قفاي بسبابه…
أحس بالذعر كلما صادفت رجل شرطة، فأواري وجهي بما أحمل في يدي . أو ألتفت بحيث لا يرى وجهي.وإن سمعت طرقا غيرمألوف على باب مسكننا ترتعد فرائصي،ولا يذهب عني الروع حتى أعرف هوية الطارق. ما زلت أحمل على كاهلي وزرا ثقيلا يؤرقني…مطاردة رجال الشرطة لي تستمر الليل كله في أماكن مختلفة. ولما يكون القبض علي وشيكا تنقذني الأقدار… وتستمر المطاردة . الليلة التي وجدت فيها نقط دم بيدي لأول مرة ،لن أنساها… زوجتي المسكينة تحملت ما لا تطيق؛تركتني وحيدا واختارت الابتعاد…
الدائرة مكتظة بالمنتظرين والمنتظرات،وكأني بهم قضوا ليلهم هناك.أخذت دوري في الطابور المخصص للذكور تحت أشعة غشت الحارقة
.. بعد أكثر من ساعة بدأ الموظفون والموظفات يصلون تباعا.يخترقون الصفوف وعيونهم تتفرس في الوجوه المكممة .لم أرفع بصري، ظللت مطأطأ الرأس اتعقب بنطالا حتى اختفى…ثم عاود الظهور، ووقف مقابلا لي، مد يده بسرعة وأماط كمامتي.يا إلهي ! إنه الشخص الذي أمطرني بقذائفه صباحا.أشارإلي بسبابته أن أسير وراءه .اخترق الجموع وأنا أتبعه مرتبك الخطى، ناشف الريق، أتصبب عرقا. المنتظرون يستنكرون دخولي اعتقادا منهم أن الضابط يحابيني على حسابهم . الغرفة مربعة عارية الا من مكتب يتوسطها بكرسي دوار وكرسيين متقابلين، على جدارها لوحة كبيرة تزينها صور كثيرة لأشخاص بسحنات مخيفة. أمرني بصوت قاس أن أنظر إلى صورة .تركني واقفا وجلس على كرسيه الجلدي المريح وأخذ يتحرك فوقه راسما نصف دائرة.بعد لحظات صمت ثقيل،صرخ بقوة زلزلت ماتبقى من جسدي المنهار: – هل تعرف صاحب الصورة يا وجه النحس؟ ارتبكت وخانني صوتي، اصدرت مزيجا من الحشرجة والصفير: – كأنني…هو…كأنه… أنا. زعق في وجهي: -إنها صورتك أيها المجرم. تعثر صوتي في حنجرتي فخرج كالثغاء. .ضرب بقبضة يده على المكتب ضربة قوية ارتج لها المكان ،وتداعى معها زملاؤه من المكاتب الأخرى .أما أنا فقد خار ما تبقى من قوتي وسقطت مغشيا علي.
شعرت ببرودة قطرات الماء على وجهي ،تحسست الكرسي الذي أجلس عليه بيدي، صوت ضابط يأتيني من بعيد : – أشريف.. هنا لا أحد ينام.. هات أوراقك أنت آخر من تبقى !