ذات مساء ربيعي والشمس ترسل أشعتها المائلة إلى الإحمرار، والسماء صافية ، ورائحة الحشائش والأزهار منبعثة تملأ المكان بعبقها وشذاها يعطر الجو ، كانت تحمل على كتيفها قربة * ماء عائدة لنجعها . والرعاة يقتربون من البئر لتشرب أغنامهم , لمحها من بعيد في نظرة خاطفة وهو يجلس على تلة قريبة متواجدة بين قُط محجوبة (قصة زواج بدوية)*
عان ألأغنام ، ويخطُ بعصاه على الأرض أثناء تفكيره،إنتصب واقفا لمعرفة وجهة ماضارب قومها ، كانت مسرعة الخُطئ ،تلوي بساط الأرض في خفة ورشاقة بين التلال والسهل الواصل لنجعها،أقفل راجعا ليتفقد ما أُوتمن عليه .هكذا هي أخلاقهم وصفاتهم والمبادئ التي ورثوها .
أرخى الليل سدوله ، سكن كل شيء إلا من الأنوار المُضيئة على أطراف البئر للنجوع المُحيطة ! دخل إحدى الخيم والقمر بدأ ينشر ضياؤه ، عندما حان وقت السمر والغناء وألأهازيج والمواويل مع أترابه من الرعاة.
آه … شعر بأن قوة جاذبة تملكته وأخذت من تفكيره ولازمته ، أصبح شارد الذهن ، يُفضل الجلوس وحيدا وإنعزل السمر مع أقرانه ، والصمت سيد الموقف لدبه.
بات ليلته مصاحبا للأرق ،يُفكر في سبيل للوصول إلى مبتغاه ؟ ويطرح تساؤلات على نفسه كيف لشاب مثله مثلي مُعدم المال والجاه يطرق بابهم ووو…..؟.
تجمع الرعاة حول البئر كالعادة وقُطعانهم حولهم وهم يُنشدون أزجالهم ومواويلهم ويُلوحون يعصييهم لهشها * وتجميعها للشُرب وكلهم حيوية ونشاط ، في جو ربيعي منعش وبساط الأرض مخضر يبعث لطمئننة والراحة النفسية ،لكنه بقي شاردا ،تفرق الجمع وهو ينتظر قدومها . ليسرق بعض النظرات أو يقتفي أثر أقدامها ، وإن كانت له الجرأة إعتراض طريقها !.
جلس على ربوة قُبالة طريقها المعتاد ينتظر قُدومها ،ويُمني نفسه بلقائه الموعود ويُرسل لها طلبه ؟…آه …لقد تأخرت ثم قال مُحدثا نفسه رُبما لاتأتي ، فأنصرف يجروا اذيال الخيبة وسؤ الحظ ؟.
ساءت حاله وأنشد قائلا:
المحجوبة ضاويت للباس
حتى ضيافك بات بلاش
المحجوبة ضاويت القد
حتى ضيافك بات يعد
سهران الليل ومجاني نوم
زينة الزول* راني مغروم
سمحة وباهية الطلة
خليتي عقلي سارح يستنى *
هب البحري من مغربها
قعدت إردد في مضربها؟
هب البحري دار إنسوم *
قعدت إردد عن ضيئ الخرطوم*.
غابت في المجئ لجلب الماء عدة أيام ، إحتار في البحث عن سبب غيابها ، ولا يُريد أن يعلم به الرُعاة الذين يتقاسموا معه مورد الماء والكلاء.
ظهر عليه الإرهاق والتعب والوهن ، فأعفي من رعي الأغنام ،وأصبح يتردد كثيرا على مضاربها ، بداعي تبديل ألأجواء ليٌلاحق أخبارها لكي لا ينتكس ، وترد على مسمعه أن غيابها بسبب رحيلها إلى بيت أخر ؟.
كاد حُلمه أن يتبخر وتذروه الرياح ، ويموت كمدا في حُبها!.أشرقت شمس ذالك اليوم الجميل وبصفاء سمائه ونسماته العليلة. فتُزف له البشرى وهو يُراقب قدومها ، وهي تقترب أكثر ومتلهفا لرؤيتها ،فإنقشعت الظلمة وإبتهج لذالك ثم قفل راجعا إلى نجعهم .
فاتح والدته في الموضوع ، فسقطت دموع الفرح على تقاسيم تجاعيد وجهها إستهلالا وسرورا .
إكتمل الوفد المرسل للقاء الحبيبة ، كان إستقبالا رائعا روعة وكرم أهل البادية ن وصفاء سريرتهم . تغير مجرى حياته وعاد إلى نشاطه وحيويته المعتادة ،ينتظر اللقاء الموعود على أحر من الجمر .
تم تحديد موعد الفرح قبل نهاية فصل الربيع .
أحس كأن الزمن يتراجع ، ونفاذ صبره للقاء حبيبته !كثر تردده على مضارب قومها ومورد الماء لعله يظفر برؤيتها ، ويُمني نفسه بذالك ؟ ويعلم علم اليقين أنه من العرف تختفي الفتاة في هذه الفترة .
بدأت ملامح الفرح تلوح في ألأفق ، وألأرض مُخضرة تكسوها الحشائش والأعشاب .
تجمع أهله وأقاربه لتُفتح مراسيم الزواج ، أُقيمت حفلة صغيرة عائلية ل (وصران الفرح )* تعالت الزغاريت وأغاني الأفراح مُصاحبة لها . وفي المساء يستعد أهل العريس للعُطرية * وأهل العروس كذالك مستعدون لإستقبالهم وإظهار بعض الطقوس المتعارف عليها . تُحمل العُطرية على الجمال والأحصنة أو عربة يجرها حصان ،وإحدى النسوة تحمل الفرح على كتيفها وأخرى تضرب عليه ويرددن أغاني الفرح وإمراءة ثالثة تلوح بقطع قُماش بيضاء وحمراء وخضراء ، قبل الوصول يعترضهم أصهارهم الجُدد لمُلقاتهم ، يحملون العصي ويُلوحون يألأيادي كأنهم يرفضونهم . بعد وقفة قصيرة وشرب الشاي ، يعود الجميع إلى مضاربهم إستعدادا للغد وهو يوم الفرح والوليمة ، تتم عند أهل العريس سهرات ليلية على ضرب الفرح ومواويل وأهازيج الشعراء .
تقوم النسوة مُبكرا لإعداد وليمة الزفاف ،حيث يُستدعى لها ألأقارب وسكان النجوع القريبة .يتخذ والد العريس مكانا مُعينا داخل خيمة كبيرة أُعدت خصيصا لإستقبال الضيوف والمهنئين ـ كل مهنئ يُقدم ما يستطيع من مال أو ماشية أو مواد غذائية ….ـ يتحلق الجميع في حلق متساوية العدد ليتناولوا وجبة الغداء ،بعدها تُقام حفلة للبارود والخيالة وضرب الفرح من طرف الرجال ،لتقديم مدائح دينية وأغاني أفراح ،ثم يتقدم أحد الشيوخ ليعقد القران (الفاتحة) ، ويدعوا الجميع بالبركة وصلاح الحال ، وينصرفوا كل إلى وجهته ، يبقى الأقارب وألأهل لتُزف العروس لبيت زوجها ، تُحمل العروس من بيت أهلها على جمل داخل الجِحْفة* (الهودج)وتُربط رجلها بعقال يفتحه العريس عندها وصولها إلى خيمتها .العريس لا يلتقي بوالده أياما قبل الزفاف وأخرى بعدها إلى حين،في الصباح يأتي الأقارن والأصحاب إلى (العراسة)* لتهنئة العريس والمباركة ، تُقام طقوس ليجمعوا له هدايا جديدة ،حيث تٌخفى بعض أقراضه لتُعوض ماديا ثم تُسترجع له.
أما النسوة يُصبحنا على العروس والمباركة وفي المساء يصنعنا عفدا يُسمى (الصخاب)*.
أما أم العروس فتُعد (الزُميتة )توزع على شكل كورات صغيرة مساءا.
ثم يأتي يوم (الكبان ) حيث تٌقام مأدبة عشاء لكبار السن وللأعمام والأخوال من الطرفين ، ليُسلم كلا من العروسين عليهم ن ويتلقوا الهدايا ، ثم يقترق الجميع ويبدأ العريس في بناء بيته الحديد وهي خيمة خاصة به أُعدت سلفا ، وتباشر الزوجة مهامها في أسرتها الجديدة ، هكذا هي حياة البادية .
مصطفى ضو/ وادي سوف / الجزائر:04/10/2020
ـ النجع : مجموع من الخيم في مكان مع ساكنيها من البدو الرُحل
ـالقربة : جلد ماعز يُصنع منه إنا للماء بعد القيام بعمليات مُعينة
ـ وصران الفرح : جلد جمل مدبوغ يوضع على قصعة خشب ليٌصنع منه طبل
ـ العٌطرية : هي الهدية التي تُقدم لأهل العروس وهي عبارة عن مواد غذائية وشاة ولوازم للعروس
ـ الجحفة (الهودج): أعواد تٌلتف على بعضها مُشكلة شكل كروي يٌغطى خارجيا ويٌضع على الجمل لتُحمل فيه العروسة
ـ الزٌميتة : دقيق قمح ناضج (مٌقلى) مضاف إليه مُكسرات
ـ الكبان : يوم إنتهاء مراسيم الزواج وتسليم كلا الزوجين على القارب والأهل
ـ الصخاب : هو عِقد مكون من مواد عطرية وحناء ويتخلله قطع من الجواهر المُختلفة .
ـ الزول : وسيمة الوجه
ـ العراسة : أصدقاء العريس المُقربين.
- محجوبة
- التعليقات