نظرتُ إليه ملياً.كان دخان ‘الشيشة’ يتصاعد من ثقبي أنفه المكور الكبير. يشد النفس تلو الآخر،عبر المبسم الإسطواني الصغير،فكانت تسترسل أصوات الكركرات داخل الماء،مكونة فقعات دائرية شبه منتظمة. ضحكت عندما ضبطت نفسي أتأمله بشدة،كما كنت أفعل من قبل.كانت سحابة الحزن التي علت وجهه قد بدأت في الاختفاء. تشجعتُ.حاولت التقدم منه.كنت أقرأ في سري بعض التراتيل.وأكرر التعاويذ. هممت بالقاء التحية عليه.لكنه سبقني بنظرة بدأت من أسفل قدمي، متفحصة ببطء وحذر حتى إستقرت عينيه بعيني. إرتعد جسدي.إختنقت داخل زنزانة صدري الضيقة.عاد يرمقني،ويقول:لعل ما جاء بك اليوم هو الحاجة؟ تنهد وأضاف:عاودني الألم. أيها الشؤم اللعين مهما فعلت ما أنت إلا صعلوكاً هائماً، على وجهه.لن تكون شيئاً قط!قالها وقد تقطعت حروف الكلمات من بين شفتيه اثر تشنج السعال الحاد الذي إعتراه. أشار بسبابته إلى نادل المقهى طلباً للماء.رجع بجسده للخلف وأسند متنه على وسادة مقعده.إستل من جيب سترته الداخلي، امبولاً صغيراً.أفرغ منه قرصين صغيرين.وضعهما على لسانه،ثم أرسل خلفهما جرعات ثلاث من الماء وألقى بالكوب. أخفى وجهه بين كفيه اللتين علاهما الشحوب وزاد عليهما الإرتجاف. صمت لحظة.ثم بدأ يرفع وجهه تدريجياً متطلعاً نحوي،وقد اخرج من جيبه لفافة من الأوراق النقدية. إنتزع بعضها.قال يخاطبني:خُذ.هل يكفيك هذا أم تريد المزيد؟ تسمرت قدمي مكانهما. تأرجحت الأرض برأسي. باتت معالم وجهه غير واضحة أمامي.صرخ بي: ما بك؟هل جننت أيها الغبي؟هل أصابك الخرس؟ أدرت وجهي عنه. نظرت أمامي.كان العالم شاسعاً منطلقاً،لا حدود له. كادت قدمي تطيران بجسدي النحيل وكانني أحلق في الأفق.تاهت عيني بين الأرجاء.ما زلت أجري.توقفت الوجوه المارة بي في الطريق. إندهشت الأفواه والعيون. لم يوقفني امتعاضهم
ودهشتهم.بعدت بيني، وبينهم مسافات الشوارع العريضة ومنحنيات الأزقة. ضاعت كل الأشياء حولي. توقفت.وجدت نفسي أعود الى تلك المنطقة النائية الخربة.هذا المنزل ذو الطابق الواحد.تلك الأحجار المسنة العتيقة،هنا مرتع طفولتي،وبوادر أيام عمري.إتكأت برأسي الواهن وأعماقي البائسة إلى جدار بيتنا.أفقت من مكاني على صوت تلاطم أمواج شديدة دون توقف. أنفاسي تعلو وتنخفض. تضطرب مع عصبية الأمواج كأن ثلاثتنا في مشاجرة دامية جريحة. تهاويت على الأرض.دفنتُ وجهي في الرمال. بكيتُ. صرختُ.امتزج صراخي بصوت البحر الهائج.عندما رفعت رأسي من الرمال، كانت عينيه العميقتين، تحملان دفئاً كبيراً.قال وهو ينهضني:لم يطاوعني قلبي أن أتركك ترحل هذه المرة،كما فعلت في المرة السابقة.لقد غبت فافتقدتك كثيراً،وبكيت من أجلك.ما عادت صحتي تقوى على هذا.كم كان أبوك عنيداً مثلك،حين كان في سنك.ضمني إليه.إختلطت دموعه الساخنة بالعرق الذي تدفق من جبيني.قلت:لم أتيك من اجل الحصول على نقودك.لا يعوزني سوى البقاء معك.ربت على كتفي برفق وقال:لن ترحل عني.فأنا أحتاجك أكثر من حاجتك إليَ.كانت أمواج البحر قد عادت أدراجها في هدوء.وعدنا معاً.
- مخادنة
- التعليقات