تجمهر الناس وتكالبوا على المكان وارتفع الهمس واللغط والكلمات المتقاطعة حال مشاهدتهم سقوط الشاب الوسيم وسط الشارع الوحيد الذي تؤمه الجميلات من مختلف الفئات العمرية ، مما أتاح الفرصة لكلا الجنسين من الارتطام المتعمد فيما بين الأجسام المختلفة الحجوم ، حاولت ْ بعض البنات مداراة امتعاظهن من الحالة فحاولن الخروج من الزحام على غير رغبتهن بعدما حصلت ْ كل واحدة على نصيبها من المكروهات .
الأغلبية الساحقة تمّنتْ أن يظل الشاب مرميا ً وسط الشارع إلا أنه نقل إلى المستشفى ، اهتمت ْ به الممرضات أيّما اهتمام لوسامته حتى أن أحدهن تمنتْ أن تطول فترة غيبوبته ، أرسله الطبيب المقيم إلى قسم الأشعة ، فظهرتْ النتيجة بسلامته من أي رَض أو كسر ، أصرّتْ احدى الطبيبات من اللواتي أعجبن بوسامته على إرساله إلى قسم السونار لشكوكها في كبر حجم بطنه الذي كان يتماوج عليه قميص من الحرير الخالص عاكسا ً أنوار الردهة وسط عناد الأطباء بعدم علاقة الحالة بالسونار إلا أنها أصرّتْ على ذلك ، أرسل َمحمولا ً على سرير تدفعه ممرضات جميلات ، كانت نتيجة السونار بأنه حامل في شهوره الأخيرة .
وسط فرحة الطبيبة المسترخية إلى حد ما لتشخيصها الحالة مبكرا ً رغم عدم التأكد من شكل الجنين وفيما إذا كان مشوها ً أو حيا ً أو ميتا ً وبأي مكان من جسمه استقر ، ضج المستشفى وتسرب الخبر بسرعة مذهلة ، خرج المرضى الراقدون من الردهات للتأكد من صحة الخبر الذي وصل إلى مسامع الناس في أغلب أرجاء المدينة الملغومة بالوساوس والنفاق .
اجتمع الأطباء لتحليل الحالة وسط حضور المسؤولين الذين وصلوا توا ً من خارج المستشفى والصحفيين الذين ينتظرون تصريحا ً رسميا ً من مصدر مخول .
على أثر ذلك وفي اجتماع مغلق دام زهاء الأربع ساعات تقرر وضع الرجل الحامل في ردهة خاصة ، وصل الخبر إلى أهله ، لطمت أمه وغطت ْ وجهها ببرقع أسود واتجهت ْ صوب المستشفى مذعورة – إلهي .. يامن فقأت عيني وأنا طفلة ورملتني وأنا شابة ووجعتني وأمرضتني .. بحكمتك يا أحكم الحاكمين .. استرني من الفضيحة وكذّب الخبر يا جليل – هكذا قالت أو سمعها البعض تقول ، .
أحاط أهله المتلثمون وأقرباؤه المستشفى ، وضع المريض تحت الحماية المشددة من قبل رجال الشرطة ، أوعز الطبيب الجراح الأخصائي بالأمراض النسائية بضرورة الإسراع بإجراء عملية قيصرية مع أمنيات الأهل والأقرباء المندسين وسط الحشد الطبي والأمني بالفشل الذريع للعملية ونذروا القرابين لوجه الله إذا ما فشلت ً العملية أو مات المريض قبل إجراءها ، ولما لم يتبرع أحد من أقربائه بالدم تبرعت ْ له الممرضات اللواتي هالهن الخبر بأكثر من عشرين قنينة .
أجريت ْ له العملية وسط الحماية المشددة وحسد الحاسدين الذين أغاضتهم الحملة الأنثوية بالتبرع بالدم ، باب الصالة مزدحم بالأقرباء والأعداء ورجال الشرطة والصحفيين والمرضى الذين تركوا اسرّتهم لملاحقة الحالة .
خمس ساعات مرّتْ ولازال المريض في صالة العمليات ، عمّتْ الضوضاء وارتفعت الأصوات غير المفهومة والجمل المفككة ، خرج الطبيب الجراح والعرق يتصبب أنهارا ً من جبهته وفروة رأسه وقد التصقت ْ صدريته على جسمه وهو يحمل رزمة كبيرة من الكتب قائلا ً :
– هل يوجد أحد من ذوي المريض ؟
سكون .. لا أحد يتكلم أبدا ً .. نهضت ْ أحدى الجميلات وقالت بكل جرأة ..
– أنا صديقته .
ناولها الطبيب رزمة الكتب وأمر أحد موظفيه بتسجيلها في سجل الولادات .
كانت فرحة الأم المتنكرة في باب الصالة كبيرة جدا ً عندما أعلن الخبر وتصدر عناوين الصحف اليومية تحت عنوان ( في مستشفى العمارة الجمهوري .. شاب يلد في الشهر السابع روايته البكر وبالحجم المتوسط ) ….
القاص
أيقن أن الحياة أصبحت ْ فائضة عن الحاجة كأية سلعة بائرة وأنها ليست ْ إلا زريبة تتناطح فيها كائنات مختلفة دون أن تفصح عن السبب لذا حاول أن يؤسس كيانه على أنقاض عزلته وخيباته المتكررة فبنى له كوخا ً صغيرا ً لا تتجاوز مساحته مساحة أي مرحاض ، بنى الجدران من كتبه بعدما خلع الحروف من الورق ولم يضع سقفا ً لكوخه للمحافظة على ما تبقى من حريته ، ألقى نظرة الوداع على الجدران / الكتب ، في هذا الضلع الساعة الخامسة والعشرون ، في الضلع الثاني الجحيم ، في الثالث الجريمة والعقاب ، مائة عام من العزلة ، طبل من صفيح …الخ .
بعدما انتهى من البناء جلس في منتصف الكوخ ، دثر نفسه بما يملك من ملابس وأحذية وأقلام وكتب ، سكب زجاجة البنزين المحسن الذي كان يحتفظ به منذ أسبوع على مملكته الصغيرة وأضرم النار ، تناثرت ْ الجدران وتطايرت منها الحروف على شكل بالونات ملونة ، بينما انبعثت ْ من ملابسه وأقلامه وأحذيته ألوان الطيف الشمسي ، كانت لوحة جميلة للغاية ، عندما أصبح تمثالا ً من الفحم وسقطت ْ الجدران التي تحيطه ولم تعد له حدود واضحة الملامح عندئذ ٍ بكى بمرارة لأن مشروعه هذا قد تأخر كثيرا ً……