سأخلق ناسا ًوأنفخ فيهم أرواحاً وسأتركهم يمارسون طقوسهم بكل حرية وفي النهاية سأنتقم منهم بطريقتي الخاصة ، الحرق ، الغرق ، المرض ، لكني لم أتخذ قرارا ً بعد بأية فئة عمرية سأخلقهم ، وماذا سأجعلهم ، عشاقا ، شحاذين، ملوكا ً، لكني حتما ً سأبني لهم مدينة غاية في الجمال بأقل من ساعة واحدة وبقدراتي الذاتية ، سأشطر المدينة أولا إلى شطرين يتوسطهما نهر يقسمهما إلى شفتين عذبتين ممتلئتين تقبلهما النوارس متى تشتهي ، على ضفتيهما حديقة جميلة ، على حافة النهر شجيرات كثيفة من شجر الصفصاف الفاتح الخضرة يجلس تحتها عاشقان في وضح النهار يخفيان نفسيهما ويتهامسان بعيدا عن الأنظار ، سيقانهما متدلية قريبة من حافة الماء وأمامهما في الجانب الآخر من النهر / الشطر الأخر للمدينة – ليس أمامهما بالضبط بل منحرفا ًما يقارب المائة متر ، رجل فك حصانه من العربة وأنزله إلى النهر ليتبرد وهو يدلك صدره وظهره بالماء الجاري ثم تركه راكسا ً قوائمه وبطنه ولم يبق سوى رأسه وظهره خارج الماء ليخرج سطلا من العربة ويغسلها ..سأخرب المدينة وأبني بدلا منها قرية .
بيوت من الطين متآكلة الجدران غير منتظمة البنيان تغطيها سقوف من حصران القصب ، في باب أحد البيوت فتاة جميلة ناصعة البياض لا تليق بها القرية ، تجلس على دكة الباب وقد عكفت ساقها تحت مقعدها ومدّت ساقها الاخرى سائبة مكشوفة إلى أعلى الركبة تلمع كالثلج ، تنتظر راعيا ً يسرح ببقرتين عجفتين وقد تأخر عليها كثيرا ً، أنا أسكن في خربة مجاورة في غرفة صغيرة صبغت المواقد سقفها بالحداد ، أجلس متأملا هذا السقف المتورم من جهة البطن ، أسمع صوتا ناعما ينشج قريبا من الباب ، صوت غير مفهوم ، ولأنه صوت انثوي فقد طعن غريزتي المتقرحة فقفزت مسرعا إلى الباب ، صبية سمراء نحيفة تتقدمها كرتان ناطتان ، تلف رأسها بشال ٍقديم وقد تركتْ عمدا ً فجوة بين الرقبة والصدر ، ترتدي ثوبا مرتقا يحصر ردفيها ..ساعدوني الله يساعدكم يتيمة أعيل خمسة أيتام ، وتغمز بطرف عينيها الجاحظتين وتلعق شفتيها بطرف لسانها الأحمر المستدق ، قلت لها :
– عندي مائتان وخمسون دينارا، هل لديك مائتان ؟
– نعم.
– عفوا عندي خمسمائة دينار هل لديك أربعمائة ؟
– نعم..!
– إذن هي تملك أكثر مني ، ودخلت الغرفة بحثا عن عذر لأصرفها ، فرجعت متأسفا متذرعا بأن مفتاح الغرفة لدى زوجتي .
– وأين زوجتك؟
– اصطحبت الأطفال وذهبت إلى أهلها في المدينة .
– وحدك في الدار؟
– نعم .
– أتسمح لي بالدخول لأشرب ماء.
– أنا وحدي في الدار وأخشى أن ..أخشى أن ..أ..أ
– قاطعتني وأخرجت طاسا من كيس يتكيء على رجلها وطلبت أن أملأها سكر .
– الكمية على وشك النفاد .
– اجعله قدحا بدلا من الطاس .
– أعتقد ليس لدينا سكر، نفد قبل يومين .
– لا داعي للقدح ، ملعقة.. وغمزت بطرف عينيها ولعقت شفتيها وانصرفت .
هذا مدخل كلاسيكي لا يروق لي ، لا داعي للقرية سأجعله سوقا.
سوق مكتظ ، أصوات متقاطعة تصم الآذان كل يعلن عن بضاعته ..اسود صديق العائلة ، الحمرة بلاش أسود بطنه أبيض عيونه خضر ، فاعترضه رجل أسمر البشرة ، احترم نفسك؟فاعتذر البائع ، عفوا أخي ، أقصد الباذنجان ، لغة سوق، آسف ، وابتسم الاثنان، المراهقون يلامسون الفتيات قبلا ودبرا ، صدور عامرة ومترهلة لنسوة لا تهمها أن تحصرها بين الآخرين على أن تفتعل الغفلة واللاقصدية ،

في نهاية السوق تصطف سيارات الواز التي خلفتها الحرب لنقل المتبظعين ، بعضهم يحمل ما لذ ّ وطاب ويخفي الآخرون صغار السمك المتعفن وكروش الأبقار الجائفة وطحالها ، البعض يدفع اجرا مضاعفا ويلح على السائق لزيادة الاجرة والآخر يعتذر بخجل عن الدفع أو يتناسى الاجرة 00أوه، أستغفر الله ما هذا الهذيان ، شاب في مقتبل العمر يقف في جزرة وسطية لشارع المدينة الرئيسي المزدحم بالسيارات والمارة ، الشمس توشك على المغيب ، تقف إلى جانب الشاب الذي يبدو مهذبا بعض الشيء فتاة ممتلئة يسرح شعر فاحم على أسفل عجيزتها الضخمة مغطيا ذراعه الذي يحضن خصرها ، لا أعرف إن كان ينوي تقبيلها وسط الشارع والمارة أو أنه يهمس بإذنها ، أذهلني السائق عندما قال أولئك جيراني مجنونان يعقلان مرة واحدة في السنة لاتزيد فترة عقلنتهم عن نصف نهار أو أدنى من ذلك فيلتقيان ويمارسان عشقهما بتحد ٍ أمام الناس الذي اعتادت هذا المنظر كل عام بل البعض منهم ينتظره بفارغ الصبر ، شعرت بدوار كبير ، غسلت وجهي بماء بارد في محاولة لاستعادة وعيي، أفقت ، وجدت أن مخلوقاتي الخرافية ومدني لم تعد غير مقدمات لقصص لم تكتمل ..

أضف تعليقاً