رغم الحر القائظ، ترتعد أوصالي بشدة، وينقبض قلبي لمرآه قادمًا من بعيد، ذاك السفّاح ذو المنجل، ألمحه يتقدم مني رويدًا رويدًا في أناة وجلد، يطيح بكل ما يقابله فلا يُبقي ولا يذر، صبور هو لا تبدو عليه العجلة، يدوس ولا يبالي أين تقع قدماه، بل ويتأفف من غبار الهشيم المتصاعد من تحت قدميه.
يحصد الرؤوس ويقطع الأوصال، ليس أصعب من الموت إلا انتظاره، ولا أوجع من الضربة إلا ترقبها، أتحين دوري في استسلام دون أن أفكر في الهرب، وأنّى لي النجاة وقد ضربتْ جذوري في الأرض فلا فِكاك؟ أتململ يمينًا ويسارًا، ليس طربًا كما يتوهمون، وإنما هي رقصة الذبيح، دون أن أتحرك من مكاني قيد أنملة، هل يمكن أن تحدث المعجزة وأفلت؟ ولكن أليس قد فات زمن المعجزات؟!
الشمس تلهب الرؤوس، والرجل ماضٍ بلا كلل، يثخن في الأرض ولا يبالي، تكفهرّ السماء، ويهطل المطر، وتعربد الريح، والقاتل لا يكفُّ عن الحصاد!
تسألني لم لا نقاوم؟ حسبتك أذكى من هذا يا صديقي، فنحن عُزلٌ لا نملك حيلة، ولا نستطيع سبيلًا! لم لا نهرب التماسًا للنجاة؟ سبق وأنبأتك أنّا مقيدون منذ زمن! لم لا نصرخ طلبًا للنجدة؟ ما لا تعرفه هو أنّ الكلّ هنا متآمر… نحن نُقتل على مرأى ومسمع من الجميع، دون أن يهتزّ لأحدهم جفن! فللسفاح أعوانٌ وأجراء، قد اقتسموا الحقل، وراحوا يتبارون في الحصاد، ويتقربون إليه زلفى!
توقف الرجل أمامي شاهرًا سلاحه، استجمعتُ ما تبقى من شجاعتي؛ لأموت ميتة موقّرة، إن لم أستطع الحياة كما أحبّ، فلا أقلّ من أنْ أموت كما أحب! لن أتوسل أو أتضرع، سأحدّق في عينيه برباطة جأش، سأفسد عليه لذة النصر بالصمود حتى آخر رمق.
هبتّ نسمة رقيقة داعبت وجهي الذي يتصبب عرقًا… آهٍ… لكم تأخرتِ كثيرًا أيتها النسمة العليلة! الآن كل شيء فقد لذته، فطعم الموت يُفسد على صاحبه كل متعة!
لدهشتي الشديدة أنزل الرجل سلاحه الفتاك، وتركني!
راح هو أيضًا يجفف عرقه المتصبب، ما كنت أعلم قبل الآن أن القتلة يعانون! ثم رحل!
هل عفا عني للأبد، أم إلى حين؟ هل استبقاني لهول أشد؟ ولماذا أنا من دون الجميع؟ أيتركني الآن رحمة أم ملالة؟ أيعود إلى استئصالي غدًا؟ هل أثمرت دعواتي الخافتتات فكلت عيناه عن رؤيتي؟ هل أصابه العمى أم حجزني عنه ظلام الليل الذي أسدل ستائره فور انسحاب الشمس؟
لم أكد أهنأ بالنجاة لدقائق، حتى ترامى إلى سمعي نهيق حمار الرجل يقترب، لكم أكره هذا الصوت المنكر! وبينما يثب صاحبه على ظهره، راحت عينا الحمار الواسعتان تتأملاني في اشتهاء، ثم التقم الحمار آخر سنبلة في الحقل…
إن كان عودي سينقصم ويُهضم، فعزائي أنّ حباتي انفرطت وانغرست في الأرض… نحن لا نبيد… سيظل نسلنا على الأرض ما دامت الدنيا. ها قد تحقق حلمي أخيرًا وتحررتُ من قيودي التي تشدني للأرض، وانطلقتُ ولكن… إلى جوف الحمار!