كنتُ صغيراً جداً عندما تلقيتُ أول فركة أذن ، و ربما سبقَتها فركات متعددة، لكن تلك الفركة أتذكرها جيداً، و هي لم تكن فركة بالمعنى التقليدي للكلمة بل كانت أشبه بمن يعصر ليمونة على علبة سردين، حيث راح الوافدُ يفرك أذني باقتدار العارف بنتائجها الفاضلة ، رحتُ أصرخ بلا تقطُّع ، حاولت أمي انتزاعي من بين براثنه، فتدخل أبي مانعاً ناهراً ، و كان المُعالجُ يردِّدُ بأن فائدة الصراخ لا تقل أهمية عن فائدة الأعصاب، حيث للصراخ – و ما زال الشرح للشارح – تفيد الحبال الصوتية فتزيدها صلابةً و مرونةً ، فضلاً عن تعويد الصارخ الصبر ، فإذا ماعترضه داعٍ للصراخ يوماً فإنه لن يكون – مهما اشتدَّ و علا – بأكثر مما هو يحدِثُه الآن .
انتهت الجلسة الأولى و دفعني الرجل الفرّاك دفعاً للاستفادة أكثر و هَوَيتُ كمحاربٍ في الهيجا بغير سلاحِ ، كانت شحمتي تنبض بقوة، حتى بدأَت بالانتفاخ ، حضنتني أمي و هي تبكي ، أعقب الجزار بأن من فوائد التمرين أيضاً تكريس اللحمة بين الطفل و أمه .
و تتقافزُ الأيام، صارت شحمتاي مرتعاً لغوادي الزمن، و حنجرتي ميّاسةٌ لا تُخرِحُ إلا الصوت الحنون ، أما هذا الوطن الجميل الذي حلَّ محلَّ الحضن الغائب فهو يبادلني النفسَ تلو النفَس ، فلا نَفَسي ينعشهُ و لا نَفَسه يرويني .
- مزامير
- التعليقات