لم تستطع كل الأغطية المتوفرة في المنزل أن تسكت رعشة البرد في جسده المحموم والتي يتجاوب معها سريره العجوز مُصدراً أنينه المكتوم. قطع صوت سيارة الشرطة المدوَّي سكون الليلة الباردة في شارعهم الضيق الذي لم يعتد علي ذلك من قبل. هوت الطرقات العنيفة السريعة على باب شقتهم تكاد ان تخلعه فانخلع لها قلب زوجته التي هرولت تفتح الباب في هلع. أخبرها قائد المحموعة الشرطية بلهجة آمرة سريعة أن يأتي زوجها معهم فورا لمقابلة حاكم الإقليم الذي يطلبه شخصياً.
أخذته الصدمة فانتفض من تحت كوم أغطيته فزادت رعشته خوفاً وبرداً. فشلت حالته هذه في محاولة استجداء عطف الشرطة وإرجاء ذهابه إلى الصباح. سمحوا له فقط بارتداء أثقل ثيابه. اقتادوه وسط صراخ زوجته وأطفاله الذين استيقظوا مذعورين تودعه نظرات الجيران الحزينة المتسائلة. لعبت الظنون والهواجس المُخيفة بفكره وقلبه فانعدم إحساسه بالطريق وبرعشة البرد التي تفاقمت.
أجلسوه في أحد أركان مكتب سكرتير الحاكم الذي يعج بكبار القوم والقيادات الشرطية والتنفيذية منتظراً دوره في المثول أمام الكبير. طال انتظاره وترقبه للحظة الحاسمة وازداد مع مرور الوقت قلقه ورعبه. تذكروه أخيراً فنادوا عليه وسمحوا له بالدخول. نهض متثاقلاً يجر رجلين مرتعشتين وقلب يكاد ان يقفز من بين ضلوعه وعرق غزير يغمر جسده المحموم.
هاله الهدوء الكبير الذي يلف المكان تساعده الإضاءة الخافتة على بسط سيطرته، لفح وجهه دفء حرارة مكيف الهواء ولكنها فشلت جميعاً في إدخال السكينة إلى روحه وجسده المضطربين. انشغل الكبير لحظات كأنها الدهر في قراءة الورقة التي بين يديه ثم رفع عينيه إليه طالباً منه الجلوس على المقعد المواجه لمكتبه الضخم، اعتذر أولاً ثم رضخ امام لهجته الآمرة جالساً على طرف المقعد ومازالت أطرافه تنتفض.
عرض عليه الكبير ان يطلب له كوباً من الليمون فاعتذر متعللاً بظروفه الصحية وهو يدرك تماماً جميع الأهوال التي تأتي عادة وراء كوب ليمون هؤلاء الكبار. مرت لحظة صمت ثقيلة ثم تناول الكبير زهرة فل بيضاء كبيرة من الإناء الموضوع على مكتبه. راح يشمها ويقلبها بين أصابعه ثم همس فجأة:
– الفل جميل.
ردَّ عليه بخوف:
– جميل جداً.
ثم استطرد الحاكم:
– ولكنه نادر…بصفتك متخصص في هذا المجال فيوجد عندي في حديقة الاستراحة شجرة فل كبيرة رائعة وأريد أن أنقلها إلى حديقة فيللتي الخاصة في العاصمة.
تنفس الصعداء للمرة الاولى في ليلته الليلاء هذه واعتدل في جلسته مستنداً بظهره إلى ظهر المقعد وإن كان يشك في أنه يلقي له الطعم لما هو آتٍ من مصائب كبرى. ردَّ عليه متلعثماً:
– لا ينفع نقلها معاليك لآنها كبيرة العمر والفل شديد الحساسية.
استاء الكبير فصاح بلهجة آمرة:
– وما الحل؟
ازدرد المحموم ريقه وهمس بخوف:
– يمكن أن نعمل ترقيداً أرضياً لأحد أفرعها وبعد بضعة أشهر نفصله و ننقله إلى العاصمة.
صاح الكبير بحماس:
– لايهمني الطريقة المهم التنفيذ.
ثم مدَّ يده إليه مقدماً له زهرة الفل التي في يده منهياً اللقاء بلهجته الامرة المعتادة:
– تفضل.
التقطها بأصابع مرتعشة ورأس نحو الأرض وتوجه بها مهرولاً نحو باب الخروج وهو يشمّها في حركة لا إرادية.

أضف تعليقاً